لست باحثة في التاريخ، ولكن من المؤكد أن جزيرة دلمون كانت قديماً أحد أهم محاور التجارة الدولية بين شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية، وهو ما يُعرف اليوم بالخدمات اللوجستية التي بُنيت عليها فكرة اقتصاد البحرين المعاصر بوصفها مركز خدمات مالية وتجارية، فلربما كان هناك تبادلٌ تجاري بين تمور المنطقة وتوابل الشرق ومنتجاته الزراعية يتمّ من على شواطئ جزيرتنا.

ولذلك لا يعتبر الرباط الأخوي والديني والعائلي بين البحرين والمملكة العربية السعودية، وليد تاريخ محدّد نستطيع أن نستدرجه من كتبٍ أو آثار، فهذا التاريخ يمتد لحقب لم يُعثر لها على أثر يوثقها، إلا أنه يظل ارتباطاً عميقاً بين الإنسان القديم ومحيطه وبين جزيرة قريبة من أرض يمكن الوصول إليها بسهولة وبوسائل بدائية.

وبالعودة للوقت الحاضر، فإن هذا السياق التاريخي قد أثمر علاقة بين البحرين والسعودية تُعد من أعمق العلاقات الاقتصادية في منطقة الخليج العربي، حيث تقوم على 4 ركائز وهي الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والاقتصاد، والركيزة الأخيرة هي ما أستطيع الحديث عنه، باعتبارها القضية الأكثر حضوراً اليوم في العلاقة بعدما ترسخت عقائدياً وجغرافياً وتاريخياً، لتنضج وتعطينا علاقة اقتصادية متينة ظهرت نتائجها في الأشهر السابقة بعد محاولات إيران اليائسة لإغلاق مضيق هرمز والإضرار باقتصاد دول المنطقة.

فحين كان التاريخ يسجّل البحرين كميناء لنقل التجارة الخاصة بأرض الحجاز قديماً، نرى اليوم انعكاس هذا الأثر فيما فعلته المملكة العربية السعودية مع مملكة البحرين ووقوفها معها وفتح موانئها على البحر الأحمر لتجارة البحرين ووارداتها، فكانت جدة والموانئ الأخرى هي بوابة البحرين الثانية ومنفذها الذي تُصدّر وتستورد عبره بضائعها.

كما تحوّلت طرق المملكة العربية السعودية إلى مسارات بديلة ومفتوحة دون أية عوائق أمام نقل البضائع، بل وتحرّكت الجهات المعنية في كلا البلدين الشقيقين لبحث تذليل كافة العوائق التي تؤخر عمل هذه المنظومة، فأتاحت السعودية مساحات أكبر لشاحنات البحرين في ميناء جدة، وسرّعت كذلك عمليات المناولة والشحن والتفريغ، ويسّرت لسائقي الشاحنات من الأجانب تأشيرات العبور حيث كانت التأشيرة تنتهي بعد أسبوعين، فتم تمديدها حتى يتسنى للسائقين إنهاء عمليات الشحن والوصول بالبضائع إلى البحرين.

ومؤخراً، كثّفت دول الخليج -وفي القلب منها السعودية- اجتماعاتها لبحث نواقص التشريعات البينية لدول التعاون، وما يمكن أن يعطل إجراءات التبادل السلعي والتجاري بين دول المنطقة، وقد ظهر ذلك جليّاً في استمرار توافر السلع واستقرار الأسواق البحرينية اعتماداً على المنفذ البري السعودي وتسهيلات العبور الإقليمي، كما شهدنا قبل أيام صدور قانون السكك الحديدية في المملكة والذي يمثل أحد أهم محاور الربط بين دول مجلس التعاون، مروراً بالأراضي السعودية.

وربما لا نعلم ما يجري في الغرف المغلقة من اجتماعات بين الجهات الحكومية لدول مجلس التعاون وخاصة ما بين البحرين والمملكة العربية السعودية، إلا أننا على يقين بأنهم لا يتوقفون عن العمل -وبسرعة كبيرة- لتحقيق أكبر أمن يحتاجه الإنسان في حياته، وهو الأمن الغذائي، بل وحتى بقية أنواع الأمن الأخرى.

وفي هذا اليوم وبمناسبة اليوم الوطني السعودي الذي تحتفل فيه المملكة العربية السعودية هذا العام بالذكرى الـ96 لتأسيسها وتوحيدها على يد الملك المؤسّس عبدالعزيز آل سعود، نقدّم لهم ولأنفسنا التهنئة ونشاركهم الفرحة والعز والفخر بأننا أهل وجوار منذ بداية التاريخ الإنساني.