في اليوم الوطني السعودي، لا تحتفل المملكة العربية السعودية بذكرى تأسيس دولة فحسب، وإنما تحتفي بمسيرة وطن استطاع، خلال سنوات قليلة، أن ينقل طموحه من إطار الخطط والمشروعات إلى واقع اقتصادي واجتماعي وتقني وسياسي يتجاوز حدود المملكة.
وتأتي هذه المناسبة في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد. فالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة حروباً وصراعات متشابكة، من الحرب في غزة إلى المواجهة العسكرية الأمريكية-الإيرانية، مروراً بالهجمات الحوثية والتهديدات التي طالت أمن الملاحة والمنشآت الحيوية. وفي خضم هذه التحولات، واصلت المملكة بناء مشروعها الداخلي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حضورها السياسي والدبلوماسي في القضايا العربية والإسلامية.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة السعودية الحديثة: القدرة على الجمع بين بناء القوة في الداخل وإدارة الأزمات في الخارج.
اقتصادياً، لم تعد قصة المملكة تختزل في إنتاج النفط وتصديره. فقد سجل الاقتصاد السعودي نمواً حقيقياً بلغ 4.5% في عام 2025، بينما نما الاقتصاد غير النفطي بنسبة 4.9%. كما ارتفعت مساهمة الاقتصاد غير النفطي، وفق التحديث الشامل للحسابات القومية، إلى 53.2% من الناتج المحلي في عام 2023. وهي مؤشرات تعكس التحول التدريجي في هيكل الاقتصاد وتوسع قطاعات السياحة والتصنيع والتجارة والخدمات والاستثمار. وفي السياحة، تبدلت صورة المملكة بصورة لافتة. فقد تجاوز عدد السياح الدوليين 29 مليوناً في عام 2025، بينما ارتفع عدد السياح المحليين إلى أكثر من 86 مليوناً. وأصبحت السياحة تمثل نحو 5% من الناتج المحلي، مع استمرار العمل للوصول إلى 10% بحلول عام 2030.
أما التحول التكنولوجي، فهو أحد أكثر جوانب التجربة السعودية وضوحاً. فالاقتصاد الرقمي بلغت مساهمته 16% من الناتج المحلي في 2024، وبلغت إيرادات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات 249.8 مليار ريال. وفي 2025 جاءت المملكة في المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية للبنك الدولي، كما جاءت في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير رؤية السعودية 2030. لكن التحول السعودي لا يقتصر على الاقتصاد والتكنولوجيا. فالمجتمع نفسه يشهد تحولاً عميقاً. وبلغت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل 35% في 2025، مقارنة بـ17% في 2017، بينما تراجعت نسبة البطالة بين السعوديين إلى 7.2%، مقتربة من المستهدف الوطني البالغ 7% لعام 2030. وفي السياسة الخارجية، ربما تظهر أهمية التحول السعودي بصورة أكثر وضوحاً في أوقات الأزمات. فالمملكة لم تتعامل مع التصعيد الإقليمي الأخير بمنطق الانخراط في الاستقطاب فقط، وإنما حافظت على قنوات الاتصال والبحث عن مسارات سياسية. وعندما انتهت العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، رحبت الرياض بالاتفاق، وأكدت أهمية استعادة أمن الملاحة في مضيق هرمز والوصول إلى اتفاق دائم يراعي المصالح الأمنية لدول المنطقة.
وفي غزة، واصلت المملكة تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، والدفع باتجاه حل الدولتين، ورفض التهجير وتغيير الوضع القانوني والتاريخي للأراضي الفلسطينية، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية. كما حملت المملكة موقف المجموعة العربية في مجلس الأمن في يونيو 2026.
وفي مواجهة الهجمات الحوثية والتهديدات التي تعرضت لها المملكة، أكدت الرياض حقها في حماية أمنها وسيادتها، مع استمرار دعمها للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام في اليمن. وفي أغسطس 2026 رحّبت المملكة ببيان أعضاء مجلس الأمن الذي أدان الهجمات الحوثية ضدها وضد السفن التجارية، وجددت دعمها للحكومة اليمنية الشرعية ولجهود المبعوث الأممي.
ومن هنا يمكن فهم المكانة المتنامية للمملكة في العالمين العربي والإسلامي. فالمكانة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، ولا الثروة وحدها، ولا القدرة العسكرية وحدها. إنها حصيلة تراكمية لقوة اقتصادية متصاعدة، وتحول اجتماعي واسع، وتقدم تقني، وثقل ديني ورمزي، وحضور دبلوماسي في ملفات المنطقة.
لقد أصبحت السعودية، في السنوات الأخيرة، طرفاً حاضراً في الملفات التي تتصل بأمن الخليج، والقضية الفلسطينية، واليمن، وأمن الطاقة والملاحة، والاستثمار، والتنمية، ومستقبل الاقتصاد العالمي. كما أن استضافتها للقمم والمؤتمرات الدولية، وانخراطها في الوساطات والجهود الدبلوماسية، يعكسان اتساع نطاق حضورها الخارجي.
ولعل الأهم أن هذا الدور الخارجي يتزامن مع مشروع داخلي غير مسبوق في حجمه وسرعته. فالمملكة لا تحاول فقط أن تكون أكثر تأثيراً في العالم؛ بل تعمل في الوقت نفسه على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، ومجتمع أكثر مشاركة، ودولة أكثر رقمنة، وبيئة أكثر قدرة على استقطاب الاستثمار والمواهب.
وهكذا يأتي اليوم الوطني السعودي هذا العام في ظل معادلة مختلفة. المملكة تواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قاعدة داخلية من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية تمنحها قدرة أكبر على التعامل مع هذه التحديات.
إنها قصة وطن لا يقيس نجاحه بما أنجزه بالأمس فقط، وإنما بما يضعه لنفسه من أهداف للغد.
وفي يومها الوطني، تبدو السعودية أمام مرحلة جديدة من تاريخها: قوة عربية وإسلامية ذات حضور دولي متزايد، تستند إلى مشروع تحول داخلي واسع، وإلى سياسة خارجية تسعى إلى حماية مصالحها، وتوسيع هامش حركتها، والإسهام في تشكيل بيئة إقليمية أكثر أمناً واستقراراً.
تلك هي السعودية الجديدة. وطن يحافظ على جذوره، فيما يفتح أبوابه للمستقبل.
* باحث سياسي في الشؤون العربية