جاء الخطاب السامي لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمناسبة افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، حاملاً مضامين سياسية واستراتيجية واقتصادية مهمة، عكست أولويات المملكة في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، وجاءت لتؤكد مواصلة مسيرة البناء والتنمية، انطلاقاً من ثوابت وطنية راسخة ورؤية تتطلع إلى المستقبل من خلال محطات وطنية جديدة للعمل الدستوري في مملكة البحرين.
لقد حمل الخطاب الملكي السامي رسائل واضحة بشأن طبيعة المرحلة الراهنة، وما تفرضه من مسؤوليات على مؤسسات الدولة والمجتمع، مؤكداً أن الوطن يظل الوجهة الأولى، وأن مصلحته العليا هي الغاية التي ينبغي أن تتكامل من أجلها الجهود الوطنية. وهذه الرسالة في جوهرها تؤكد أهمية وحدة الموقف الوطني، وتكامل السلطات الدستورية، والعمل بروح المسؤولية المشتركة، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات وصون مصالحها العليا.
أما عن مواجهة التحديات الإقليمية احتل ملف الأمن والاستقرار الإقليميين موقعاً مهماً في الخطاب السامي، وذلك على ضوء التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، وما أفرزته من مخاطر على أمن الدول والشعوب. وقد أشار جلالته إلى الاعتداءات والتدخلات الإيرانية التي استهدفت أمن المنطقة، وما تمثله من انتهاك للأعراف والقوانين الدولية ومبادئ حسن الجوار.
ومن حيث البعد الاستراتيجي، فإنه يكمن في التأكيد على أن أمن مملكة البحرين لا ينفصل عن أمن محيطها الخليجي والعربي، وأن حماية السيادة الوطنية تتطلب الجمع بين الجاهزية الدفاعية، والعمل الدبلوماسي، والتعاون الإقليمي والدولي، إلى جانب تعزيز التماسك الداخلي والوعي المجتمعي.
كما أن التعامل مع التحديات الأمنية المعاصرة لم يعد مقتصراً على الاستجابة للأحداث بعد وقوعها، بل أصبح يتطلب التخطيط الاستباقي للتهديدات الإدراكية التي هي جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، وتقدير المخاطر، وتنسيق الأدوار بين المؤسسات، والاستعداد لمختلف التصورات للتهديدات المحتملة. ومن هنا تبرز قيمة التوجيه الملكي في ربط الأمن بالاستقرار والتنمية.
ومن جانب الدبلوماسية البحرينية وحضورها الدولي جاء في الخطاب الملكي الإشارة إلى اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2817 لعام 2026، الذي قادت مملكة البحرين الجهود الرامية إلى إصداره نيابة عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، في إطار المساعي الرامية إلى دعم الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة، حيث قامت مملكة البحرين في توظيف علاقاتها الدولية وشراكاتها الاستراتيجية، بما يخدم سيادتها ومصالحها، ويعزز فرص الحلول السياسية والدبلوماسية، ويحفظ للمنطقة أمنها ومقدرات شعوبها. وجاء في الكلمة السامية أن التشريع الفاعل هو ركيزة للتنمية المستدامة، وعلى الصعيد الداخلي، رسم الخطاب السامي ملامح واضحة لأولويات المرحلة المقبلة، من خلال التركيز على جودة التشريعات، وكفاءة المؤسسات، وتعزيز بيئة الاستثمار، وتوسيع آفاق الاقتصاد المعرفي، ودعم استدامة الطاقة وحماية البيئة، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي والمائي.
وتكتسب هذه الأولويات أهمية استراتيجية في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، وما تفرضه من ضرورة تنويع مصادر النمو، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وتطوير القدرات الوطنية. فالتشريع الحديث ليس مجرد إطار قانوني ينظم المعاملات، بل أداة تمكّن الاقتصاد من النمو، وتدعم ثقة المستثمرين، وتواكب التطورات، وتحقق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية مصالح المجتمع.
ومن هنا، فإن دعوة جلالة الملك المعظم إلى أن يكون دور الانعقاد الحالي دوراً للإنجاز النوعي تضع مسؤولية مهمة أمام السلطة التشريعية، تتمثل في تحويل الأولويات الوطنية إلى تشريعات قابلة للتطبيق، ومبادرات ذات أثر ملموس، مع تعزيز التنسيق والتكامل مع السلطة التنفيذية.
كما أن الأمن الغذائي والمائي واستدامة الطاقة لم تعد ملفات خدمية أو اقتصادية منفصلة، بل أصبحت مكونات أساسية للأمن الوطني، لا سيما في منطقة تتأثر بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد والممرات البحرية. ولذلك فإن الاستثمار في هذه القطاعات، وتطوير بدائل الإمداد، ورفع كفاءة إدارة الموارد، يمثل ضرورة استراتيجية للمستقبل.
ويأتي العنوان الأبرز في هذا الخطاب السامي بتخصيص عام 2027 بعام والد الجميع المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه.
حفظ الله مملكة البحرين، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق قيادتها وشعبها الوفي لمواصلة مسيرة البناء والإنجاز، لتبقى راية الوطن عالية، وتظل مصلحة البحرين وأبنائها البوصلة التي تتجه إليها الجهود الوطنية في الحاضر والمستقبل.
* محلل سياسي وخبير استراتيجي