من أهم ما ركزت عليه خلال متابعة زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، إلى شركة ألمنيوم البحرين «ألبا»، وقوفه أمام العاملين في المصنع وكلامه المباشر لهم.

كان مهماً ماذا قال سموه لهم، كيف كان أسلوب التقدير والشكر والعرفان مباشراً، بل وكلمات الامتنان الصادقة لجهودهم التي بذلوها خلال العدوان الإيراني الآثم على البحرين والذي استهدفت صواريخه ومسيراته الأعصاب الاقتصادية في البحرين والأحياء السكنية، وهددت كل شيء في بلدنا الهادئ.

الأمير سلمان له أسلوبه القيادي المميز، له طريقته الخاصة في تقدير المجتهدين والمخلصين، وفي شحذ الهمم، وجعل جذوة الإخلاص تتوهج. ونجاحه في ذلك يعود لسبب بسيط جداً، هو عفويته وتمثله بشخصيته الحقيقية، فمن يعرفه يعرف تماماً كيف هو كإنسان يتصرف على طبيعته، ويتفاعل مع الجميع على سجيته، وفي هذا الأسلوب تأثير مميز. لذلك هذه الزيارة تعني الكثير لمن تشرّفوا بلقائه والاستماع إليه.

في 28 مارس الماضي تعرضت منشآت ألبا لهجوم إيراني أسفر عن إصابتين طفيفتين وأضرار في المنشآت. ومع ذلك واصلت الشركة العمل والمحافظة على استمرارية الإنتاج، وهو تحديداً ما حرص الأمير سلمان على الإشادة به خلال زيارته للشركة.

قبل ألبا، تعرضت مصفاة تابعة لشركة «بابكو» للاستهداف في التاسع من مارس، وتعرضت مواقع ومنشآت حيوية أخرى في البحرين لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال فترة الاعتداءات الإيرانية. وقد وثقت البحرين هذه الاعتداءات في رسائلها إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

لكن ما يستحق أن نتوقف عنده هو ما لم تستطع هذه الهجمات أن تفعله.

باختصار، هي لم تستطع أن توقف البحرين.

لم تتوقف المصانع، ولم تتجمد المؤسسات، ولم يدخل الناس في حالة انتظار وخوف، ولم تتحول الدولة إلى بلد يُشل فيه العمل. كان هناك خطر حقيقي، وكانت هناك إجراءات أمنية واحترازية ضرورية، لكن في الوقت نفسه كانت هناك دولة تعمل، ومواطنون يذهبون إلى أعمالهم، ومؤسسات تعرف ماذا تفعل.

هنا تظهر قيمة الكوادر البحرينية التي تحدث عنها الأمير سلمان خلال زيارته لـ«ألبا».

«ألبا» بدأت الإنتاج عام 1971، في عهد والدنا الغالي المغفور له صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان طيب الله ثراه، واليوم وبعد 55 عاماً مازالت تعمل وتتوسع، ووصل العاملون فيها إلى إنجاز 50 مليون ساعة عمل آمنة. هذه أرقام مؤسسة عريقة بنت خبرتها عبر أجيال من البحرينيين، حتى أصبحوا هم من يحملون مسؤوليتها حين تأتي الظروف الصعبة.

الأمر نفسه رأيناه في «بابكو»، وفي الأجهزة الأمنية والطبية والخدمية، وفي مؤسسات كثيرة استمرت في أداء واجبها رغم الظروف.

هذه الثقافة لم تولد خلال الاعتداءات الإيرانية. رأيناها بوضوح أيام «كورونا»، حين كان الأمير سلمان يتابع عمل اللجنة التنفيذية الحكومية والفريق الوطني، بل كان في غرف العمليات وعلى مدار الساعة، وكانت القرارات تتغير مع تطورات الأزمة، بالتوازي مع استمرار قطاعات الدولة والمجتمع في العمل ضمن الإجراءات الصحية. الخطاب يومها كان قائماً على العمل الجماعي و»فريق البحرين» الذي ابتكره «بوعيسى» بكل ذكاء وحصافة.

هذا بالتحديد ما تحتاجه الدول في الأزمات. تحتاج إلى القيادة التي تدير طريقة التعامل مع الخطر. والتي تعرف كيف تمنع الأزمات من تعطيل مفاصل الدولة.

ما فعله العاملون في «ألبا» يستحق التقدير، وكذلك ما فعله العاملون في «بابكو» وبقية المواقع والقطاعات. هؤلاء أثبتوا أن حماية الوطن ليست دائماً في المواقع العسكرية فقط. أحياناً تكون في مصنع، أو داخل غرفة تحكّم، أو في مصفاة، أو مستشفى، أو مركز خدمات يصرّ العاملون فيه على ألا يتوقف.

البحرين مرّت باختبارات كثيرة، وفي كل مرة تظهر الحقيقة نفسها. هذه بلاد تعرف كيف تستمر بفضل قيادتها وشعبها. بلاد أبناؤها يستحقون أن نفخر بهم أيما فخر.