في الرابع عشر من مارس استُبعد سباق البحرين من الروزنامة بقرار فرضته حرب إقليمية لم تستأذن أحداً، وظنّ كثيرون أن القصة انتهت، وأن جائزة البحرين الكبرى ستلحق بقائمة الأحداث التي ابتلعتها الأزمات!لكن البحرين لا تقرأ الأزمات كما يقرأها الآخرون، ولا تعترف بالهزيمة.
ففي السادس والعشرين من يوليو أعلنت الفورمولا 1 أن سباق البحرين عاد، وسيقام في ماليزيا على حلبة سيبانغ، وبالاسم البحريني نفسه، وبمهلة لا تتجاوز عشرة أسابيع. مهلة تُقاس في عرف التنظيم الدولي بالأعوام لا بالأسابيع، على حلبة غابت عنها سيارات الفورمولا 1 تسع سنوات، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الصخير، وبين سباقين متلاحقين من باكو إلى سنغافورة لا يمنحان أحداً فسحة للخطأ.
هل كانت المهمة سهلة؟ كلا. هل كانت ممكنة بحسابات المهل والأرقام؟ لا. فمن أين جاء الجواب؟
جاء من قيادة تعرف أن الأزمة اختبار، وأن الاختبار فرصة لمن يحسن استثمارها. وبتوجيهات من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، قرر «فريق البحرين» أن يخوض التحدي ويحوّله إلى إنجاز.
وحين توجه سموه إلى سيبانغ والتقى أبناء الوطن الذين صنعوا هذا الحدث، وأشاد بجهودهم وشكرهم، لم يكن ذلك بروتوكولاً عابراً، بل كان إعلاناً بأن هذه القيادة تقف مع مَن يعمل في الميدان، وأن الكفاءة الوطنية هي رأس المال الحقيقي.
أكثر من خمسمئة كفاءة بحرينية انتقلت إلى ماليزيا لتشغيل الحلبة، ونحو مئة ألف متفرج بحسب المنظمين. وفي قلب الحلبة قامت «قرية البحرين» لتعيد الروح التي كان الجميع يعرفها في حلبة الصخير، ذلك الطابع العربي الأصيل، وتلك الألحان والأغاني البحرينية العريقة، وذلك المذاق والرائحة البحرينية العبقة، حتى شعر الحضور وكأنهم في مملكة البحرين!
وما كان لهذا أن يحدث لولا روح الفريق الواحد، وإصرار القائد الذي أخذ زمام الأمور وحمل على عاتقه اسم البحرين وأصرّ ألا يغيب. وها هو السباق ينتهي بنجاح للبحرين أولاً وللعالم ثانياً، وفوز لا يُقاس بنتيجة السباق ولا بترتيب الفرق، بل بما حققته الإرادة البحرينية.
أما مَن راهنوا على «سقوط» الجائزة، فقد رأوا بأعينهم كيف تتحول الأزمات في هذه المملكة إلى فرص، وكيف تُنقل الخبرة من أرض إلى أرض، وكيف يصير اسم البحرين حاضراً أمام جماهير العالم في بلد بعيد، بتكلفة تحملتها المملكة وبصورة جنت عوائدها سمعةً لا تُشترى.
إنها مملكة عصية على الأزمات، شامخة في وجه التحديات، وسرّها قائد لا يعرف المستحيل.
ظنّوا أن الجائزة غابت، فأعادتها البحرين في عشرة أسابيع.. وصنعت المستحيل.