تتجه الأنظار مجدداً إلى المنطقة مع تحشيد عسكري أمريكي واضح، يعزز احتمالات مواجهة جديدة مع إيران. وبحسب «وول ستريت جورنال»، غادرت حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» ميناء سان دييجو في 27 سبتمبر، وتلتها مجموعة «ماكين آيلاند» البرمائية، ومن المتوقع وصولهما إلى المنطقة بنهاية نوفمبر. وتضيف هذه التعزيزات ما بين تسعة وعشرة آلاف عسكري إلى أكثر من خمسين ألفاً موجودين بالفعل في المنطقة.
وتوضح «فايننشال تايمز»، أن التعزيزات تشمل سبع سفن وهي حاملة الطائرات وثلاث مدمرات مرافقة، وثلاث سفن ضمن المجموعة البرمائية التي تحمل الوحدة الثالثة عشرة الاستكشافية لمشاة البحرية. مما يجعلها قوة تجمع الطيران البحري والقدرات الصاروخية ومشاة البحرية، بما يتيح لواشنطن خيارات هجومية أوسع، ويشير إلى استعداد يتجاوز مجرد تعزيز الوجود العسكري.
لكن السؤال الأهم ليس حجم القوة الأمريكية المقبلة، بل ما إذا كانت واشنطن قد استوعبت دروس المواجهة السابقة، خصوصاً في التعامل مع المسيّرات الإيرانية. فهل يضمن التفوق العسكري الأمريكي الواضح قدرة الدفاعات الجوية على اعتراض التهديدات المتوقعة بتكلفة مقبولة؟ وهل تتوافر ذخائر كافية لحماية القوات والقواعد والملاحة طوال حملة قد تمتد طويلاً؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة تجنب استنزاف موارد باهظة في مواجهة أسلحة أقل تكلفة؟
لا تقدم التقارير المشار إليها أدلة كافية للجزم بأن الأمريكيين عالجوا جميع نقاط الضعف. ولذلك، فإن افتراض نجاح الجولة المقبلة لمجرد زيادة القوة سيكون متسرعاً. فالمطلوب قدرة مستدامة على حماية الملاحة في المنطقة، وخطة تربط العمليات العسكرية بنتيجة سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. أما توجيه ضربات قوية من دون ضمان ما بعدها، فقد يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.
وتزداد المعادلة تعقيداً بفعل المساندة الخارجية لإيران. فقد أوردت «وول ستريت جورنال»، تقارير عن تزويد روسيا طهران بصور أقمار صناعية وتقنيات للمسيّرات، وعن شحنات صينية من مكونات مزدوجة الاستخدام تدخل في صناعة المسيّرات وأنظمة توجيه الصواريخ. كما نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن إيران حصلت على صور أقمار صناعية من جهات صينية قبل هجوم على قاعدة في الأردن. وهذا يعني أن واشنطن تواجه إيران التي تستفيد من مصادر دعم خارجية يمكن أن تعزز قدرتها على الصمود وتحسّن دقة استهدافها، بما قد يؤثر في مسار المواجهة.
ويبقى السؤال الآخر؛ هل تكون الجولة المقبلة قاضية؟ يتوقف الجواب على تعريف الحسم. فتدمير أهداف إضافية لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة الإيرانية على تهديد السفن، كما أن إضعاف إيران لا يضمن وحده استقرار الممرات البحرية. وإذا بقيت وسائل التعطيل متاحة للإيرانيين، فقد تصبح الجولة الجديدة مجرد رقم آخر في حرب تتوالى فصولها من دون نهاية واضحة.
أما الأولوية، فهي استعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز بأسرع وقت. ويؤكد تقرير وكالة الطاقة الدولية لشهر سبتمبر 2026 أن اضطراب التدفقات يضغط على الإمدادات والأسعار والمخزونات، بما يجعل الأزمة عبئاً يتجاوز أطراف الحرب، ويؤثر في الاقتصاد العالمي.
ولا يجوز أن تبقى حركة التجارة وإمدادات الطاقة رهينة قدرة طهران على تعطيل المضيق. فالنجاح الحقيقي لن يُقاس بشراسة الضربات أو عدد الأهداف المدمرة، بل بعودة السفن إلى العبور بأمان، واستمرار تدفق الطاقة، وضمان ألا يكون فتح المضيق مجرد هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة.