قد تمر سنوات طويلة قبل أن نرى سباقاً للفورمولا واحد يحمل كل هذا القدر من المفارقات والإثارة. لكن بالنسبة لنا كبحرينيين، كان واحداً من أجمل جولات الموسم وأكثرها إثارة، ليس بسبب أحداثه فقط؛ بل بسبب القصة التي أوصلته هناك على بُعد أكثر من ستة آلاف كيلومتر من البحرين.

البحرين اختارت الطريق الأصعب. اختارت أن تقول بشجاعة «سباقنا سيقام». ووراء القرار صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. عرّاب دخول الفورمولا واحد إلى منطقتنا.

نقلت البحرين روح حلبتنا نفسها إلى ماليزيا. أكثر من خمسمائة وستين مارشالاً وأعداد من المسؤولين البحرينيين عبروا آلاف الكيلومترات، معهم موظفو حلبة البحرين الدولية، يعملون جنباً إلى جنب مع الأشقاء والأصدقاء الماليزيين. انتقلت معهم خبرة تراكمت منذ 2004، وانتقلت كأس سباق البحرين، وتقاليد منصة التتويج وماء الورد، وتحليق طيران الخليج، والقرية البحرينية بما تحمله من ثقافة وتراث وضيافة. من دخل سيبانغ شعر بحلبة الصخير هناك.

حين التقى سمو الأمير سلمان بالمنظمين البحرينيين، أكد أن أبناء البحرين وأبناء الملك حمد، هم الثروة الحقيقية. أشاد بكفاءتهم وقدرتهم، وخصّ بالتقدير الجهات الوطنية التي عملت لإنجاز المهمة، والتي لو عددناها لما أوفيناهم حقهم جميعاً.

هذه هي القصة الجميلة التي رأينها خلف السباق. بلد صغير في مساحته كبير في تحدياته، يذهب إلى حلبة تبعد عنه آلاف الكيلومترات، ثم يجعل اسمه وهويته وروحه التنظيمية حاضرة بهذا الوضوح والقوة. هذه قدرة دولة، وثقة قيادة في كفاءة أبنائها.

ثم جاءت السماء الماليزية وكأنها قرّرت أن تمنح القصة نهاية لا يمكن توقعها مسبقاً. هطلت الأمطار بغزارة. تأجل السباق. خرجت السيارات للفة التشكيل فظهرت مشكلات وأخطاء وانزلاقات، ثم علقت إجراءات الانطلاق قبل أن يبدأ السباق أخيراً وسط ظروف يصعب معها توقُّع ما سيحدث.

فيرستابن خسر صدارة الانطلاقة أمام سائقي مرسيدس أنتونيلي وراسل، ثم أعاد ترتيب أوراقه. دخلت سيارة الأمان. تغيّرت حالة الحلبة. تحولت الإطارات إلى أهم قرار في السباق، وعاد الهولندي إلى المقدمة ليقود سيارة الريد بول حتى النهاية، رغم سيارة أمان أخرى في المراحل الأخيرة.

وفي الخلف كانت هناك قصة جميلة أخرى. لويس هاميلتون. هذا الرجل تربطه بالبحرين علاقة تمتد إلى بدايات حكايته في الفورمولا 3 على حلبتنا، وأيضاً الفورمولا واحد في 2007، إذ في ثالث سباق فقط من مسيرته في أعلى فئة، جاء إلى الصخير، انطلق ثانياً وأنهى السباق ثانياً. واليوم، بعد نحو عشرين عاماً، يبدأ سباقاً يحمل اسم البحرين من المركز الثاني أيضاً.

لكن هذه المرة كادت القصة أن تنتهي مبكراً. اختيار الإطارات الجافة في وقت الأمطار دفع به إلى الخلف حتى المركز الثامن عشر. وفي الفورمولا واحد، أن تهبط من الثاني إلى الثامن عشر يعني غالباً أن يومك انتهى.

هاميلتون رفض ذلك. بدأ رحلة العودة. مركزاً بعد آخر، تجاوزاً بعد آخر، مستفيداً من خبرة بطل عالم سبع مرات ومن تقلبات سباق لا يعطي أحداً ضمانات. وفي اللفات الأخيرة، ومع خروج جورج راسل من المنافسة، واصل هاميلتون هجومه وانتزع المركز الثالث.

في سباق البحرين. هناك قصص لا تحتاج إلى كاتب كي يجعلها جميلة.

فيرستابن نفسه، ترك وراءه رقماً يحمل مصادفة تاريخية بحرينية جميلة. انتصاره في سيبانغ كان الفوز رقم 72 في مسيرته، وجميعها تحققت مع ريد بول. بذلك عادل الرقم الذي سجله الأسطورة مايكل شوماخر مع فيراري بواقع 72 انتصاراً مع الفريق نفسه.

وما أجمل أن تحدث هذه المساواة تحديداً في سباق يحمل اسم البحرين. لأن مايكل شوماخر اسم خالد في تاريخ حلبتنا. هو أول من فاز بجائزة البحرين الكبرى عندما انطلقت الحكاية في 2004. وهو الذي شارك في تصميم الحلبة، بما في ذلك المنعطف الأول، والذي حمل اسمه لاحقاً تقديراً لمكانته الأسطورية. وكأن دائرة عمرها اثنان وعشرون عاماً أغلقت في سيبانغ؛ شوماخر افتتح سجل الفائزين بالبحرين، فيرستابن يعادل أحد أرقامه التاريخية في سباق البحرين نفسه.

ثم تأتي الأرقام الجماهيرية لتكمل المشهد. 261 ألف حضور على امتداد أيام السباق. رقم ضخم لحلبة عادت إليها الفورمولا واحد بعد غياب منذ 2017، بفضل البحرين. إجمالي الحضور التراكمي خلال الأيام الثلاثة أعلن عنه كرقم قياسي جديد لسيبانغ. وهنا كسبت البحرين وكسبت ماليزيا.

البحرين حافظت على جولتها وعلى اسمها ومكانتها في بطولة العالم، وقدمت قدرتها التنظيمية إلى جمهور آسيوي جديد. وماليزيا استعادت هدير الفورمولا واحد بعد تسع سنوات، واستقبلت عشرات الآلاف من الزوار، وفتحت نافذة اقتصادية وسياحية كبيرة.

لكن بالنسبة لي، الرقم الأهم هو عشرة أسابيع. لأن خلف تلك الأسابيع قصة بلد لم يقل الظروف أقوى منا، بل قال أين الحل؟! وحين وجد الأمير سلمان حفظه الله الحل في ماليزيا، حمل البحرينيون خبرتهم وأعلامهم وثقافتهم وكفاءتهم وأعادوا بناء تجربة الصخير هناك.

أسدل الستار بالأمس على هذه القصة الجميلة بجميع تفاصيلها، فيرستابن يحمل كأس سباق البحرين، وهاميلتون يقف على المنصة بعد عودة مذهلة، والمطر الذي أربك الجميع تحول إلى جزء من واحدة من أجمل قصص الموسم.

لكن بالنسبة لنا كان هناك فائز آخر. البحرين أولاً وأخيراً. لأن بلادنا وهي «صانعة الحدث»، بقيادتها وأبنائها رفضت أن تغيب أو تستسلم.