وصل الحديث في منتدى «صُنع في الخليج» إلى سمك الصافي في سترة، وسط ضحكات الحضور والعفوية المتبادلة بين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزير الطاقة وزير الصناعة والثروة المعدنية بالمملكة العربية السعودية، ومعالي الشيخ سلمان

بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني في جلسة حوارية استمتعت بمتابعتها، لما حملته من معلومات اقتصادية مهمة، وأريحية جميلة تعكس عمق العلاقة البحرينية السعودية، حتى إن صافي سترة الغني عن التعريف وجد لنفسه مكاناً في حديث الوزراء عن النفط والطاقة والصناعة!

وبعيداً عن هذه الطرفة الجميلة، فقد استوقفني في حديث صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود جانب يتعلق بما استثمرته المملكة العربية السعودية طوال العقود الماضية في بناء قدراتها الصناعية وقطاع الطاقة، وأهمية امتلاك البنية التحتية والخبرات المحلية عند مواجهة الأزمات.

فالتجارب الأخيرة أثبتت أن الدول التي تستثمر مبكراً في قدراتها تستطيع التعامل مع الظروف الاستثنائية بكفاءة أكبر، وأن الأمن الاقتصادي يرتبط بما تملكه الدولة من معرفة وقدرة على الإنتاج والتشغيل.

وقد جاء منتدى «صُنع في الخليج»، الذي افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء نيابة عن جلالة الملك المعظم، في توقيت تستحق فيه الصناعة الخليجية مراجعة طموحاتها، خاصة بعد الأزمات التي شهدتها المنطقة واضطراب سلاسل الإمداد وحركة الملاحة والطاقة، فما الذي يمكن أن تصنعه دول الخليج مجتمعة، وما الذي يجعل من التكامل الصناعي الخليجي قوة اقتصادية حقيقية خلال السنوات المقبلة؟

لدينا في الخليج تجارب صناعية كبيرة، وفي البحرين تحديداً بدأت مسيرة الصناعة الحديثة مبكراً مع النفط، ثم جاءت ألبا وبناغاز والحديد والبتروكيماويات وغيرها من المشروعات التي أسست قاعدة صناعية وخبرات وطنية تراكمت عبر الأجيال، واليوم تتسع الفرص أمام صناعات أكثر تقدماً، تحتاج إلى البحث والتطوير والتقنيات الحديثة، وتفتح مجالات جديدة أمام الشباب الخليجي.

ولم تمضِ أيام حتى شهدت البحرين منتدى «فنتك فوروورد 2026»، وفيه تحدث معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة عن مستقبل القطاع المالي في عصر الذكاء الاصطناعي، وأهمية الثقة والتنظيم والقدرة على بناء أنظمة مالية آمنة ومرنة، وقد شهد المنتدى الإعلان عن أكثر من 60 اتفاقية وشراكة ومبادرة، بمشاركة تجاوزت 2900 شخص، في مؤشر على المكانة التي أصبحت تحتلها البحرين في قطاع التكنولوجيا المالية.

وبين المؤتمرين وجدت رابطاً يستحق التفكير، فالصناعة التي تحدث عنها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود تحتاج إلى تمويل وتقنيات وخبرات، والتكنولوجيا المالية التي تناولها معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة أصبحت بدورها صناعة قائمة على المعرفة والبيانات والبرمجيات، ومن يملك القدرة على تطوير هذه التقنيات ستكون له حصة أكبر من الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

وهنا أعتقد أن مفهوم «صُنع في الخليج» يحتاج إلى أن يمتد إلى مجالات جديدة، فلدينا اليوم فرصة لصناعة أنظمة الدفع، وحلول الأمن السيبراني، والتطبيقات المالية، والتقنيات المستخدمة في الصناعة والطاقة، وإذا كان التكامل الخليجي قد نجح في بناء مشروعات مشتركة وشبكات للربط الكهربائي والبنية التحتية، فإن المرحلة المقبلة تستحق تعاوناً مماثلاً في إنتاج التكنولوجيا وتطويرها، والاستثمار في الشركات الناشئة والبحث العلمي.

ولعل من المناسب أن تتوسّع فكرة المحتوى المحلي الخليجي لتشمل المعرفة والتقنيات، وأن تمنح المشروعات الكبرى فرصاً أكبر للمطورين والباحثين والشركات الخليجية، مع تشجيع الشراكات التي تنقل الخبرة وتؤسس لقدرات تستمر وتتطور محلياً، فحجم السوق الخليجية وإمكاناتها المالية والبشرية يسمحان بطموح أكبر في هذا المجال.

خرجت من متابعة «صُنع في الخليج» و«فنتك فوروورد» بفكرة واحدة، وهي أن مستقبل الاقتصاد الخليجي سيُقاس بقدرته على تطوير ما يحتاج إليه، وتصدير ما يبتكره، وخلق فرص عمل نوعية لأبنائه، وقد أصبحت أمامنا فرص حقيقية لنرى شركات وتقنيات خليجية تنافس عالمياً، مستفيدة من سوق مشتركة وخبرات تراكمت خلال عقود.

وأتمنى أن يأتي يوم نرى فيه عبارة «صُنع في الخليج» على التقنيات والأنظمة والابتكارات التي يستخدمها العالم، وأن تصبح هذه العبارة شهادة على ما نملكه من علم وخبرة وقدرة على المنافسة، فالمنتج الخليجي القادم قد يخرج من مختبر أو جامعة أو شركة تقنية، ويكون أثره الاقتصادي أكبر من مصنع كامل.