كان البيع عند من سبقنا يتمّ بضربة كفٍّ على كفّ، ولهذا سُمّيت عملية البيع بـ»الصفقة»، فالبائع يعرف ما باع والمشتري يعرف ما اشترى، والموجودون في السوق شهدوا على البيع أو الصفقة، فإذا اختلف البائع والمشتري بعد أيام، رجعا إلى الناس ليشهدوا بما جرى كما سمعوا ورأوا، ولم يكن أحد في ذلك الوقت يحتاج إلى أربعين صفحة مكتوبة بخط دقيق ليعرف أنه اشترى «سلة طماطم» وزنها سبعة كيلوغرامات، ولا كان البائع يطلب من الزبون أن يقدم إقراراً موقّعاً بأنه «قرأ الشروط وفهمها وقَبِل بها»، لأن الشروط كلها كانت جملة واحدة تُقال أمام الناس بصوت مسموع.

أما اليوم -وتحديداً ما تشتريه عن بُعد- فلا تكاد تصل إلى شيء، مهما كان تافهاً قبل أن تمر على ذلك المربع الصغير الذي يقول: «أوافق على الشروط والأحكام وسياسة الخصوصية»، وهي بلا شك أكبر كذبة يكتبها الإنسان المعاصر عن نفسه في اليوم مرات، شروط تأخذ مساحة على الورق أكبر من المساحة التي تحتاجها قصة متوسطة الطول، مكتوبة بلغة لا يفهمها إلا من كتبها، ومرتبة بحيث إذا بلغت فقرتها العشرين نسيت لماذا فتحت هاتفك أصلاً، ثم هي تتغير وأنت نائم فتصحو على رسالة تبدأ بعبارة «حرصا منا على خصوصيتك» وتنتهي بأنهم وسعوا ما يأخذونه منك، وإذا تجرأت وقلت: لا أوافق، جاءك الجواب الوحيد وهو، نأسف لم يعد بإمكانك استخدام الخدمة!

لا شك في أنه من الناحية القانونية تُعدّ تلك النقرة رضا صحيحاً تترتب عليه آثاره، لكن الرضا في أصله ثلاثة أشياء لا اثنان، وهي: أن تعلم ما تقبله، وأن تفهم ما علمته، وأن تكون قادراً على أن تقول لا، فإذا سقط منها واحد، لم يبقَ من العقد إلا شكله، وصار ما نسميه «موافقة» هو أقرب إلى ما يعرفه القانونيون بـ»عقود الإذعان»، وهي عقود يضع شروطها طرف واحد ولا يملك الآخر إلا القبول أو الحرمان، لكن المفارقة الأشد هي انتقالنا من إذعان نعرفه ونعرف صاحبه، وهو ما يحصل مع الشركات والمؤسسات التي تكون واحدة في البلد ولا يوجد غيرها فتضع التعرفة والتعليمات ونحن نوقّع، إلى إذعان لا نعرف فيه من هو الطرف الآخر أصلاً، ولا أين يقيم، ولا أي محكمة تنظر خلافنا معه، ولا ما الذي أخذه منا بالضبط ولا إلى أين باعه.

بالتأكيد، لست هنا لأطلب من الناس أن يقرؤوا أربعين صفحة قبل تحميل تطبيق يقيس خطواتهم، فهذا ما لن يفعله أحد ولو كان متفرغاً، لا لأن الناس يتكاسلون عن الفعل، لكن لأن المسألة صِيغت بطريقة تحققت من الجانب النفسي للبشر وقُدّمت لهم بطريقة يوافق عليها الكل دون معرفة محتواها. وهنا تظهر الضرورة لتشريعات تحمي الناس وتُلزم من يضع الشروط بأن يضعها في صفحة واحدة بلغة الناس لا بلغة المحامين، وتُبطل كل بند خطير دُسّ في وسط الكلام. وإلى أن يحدث ذلك، لنكن صادقين مع أنفسنا على الأقل، فتلك الخانة التي نؤشر فيها كل يوم لا تقول: «قرأت ووافقت»، بل تقول في الحقيقة: «لم أقرأ، ولا أملك إلا أن أوافق»، ومع ذلك نضع الإشارة ونمضي، ونسمّي ذلك اختياراً.