إن أمن الأوطان لم يعد يقف عند حدود الجغرافيا العسكرية، بل يمتد عميقاً ليحصن «الوعي الجمعي» ويحمي النسيج الاجتماعي، وفي هذا السياق الدقيق، لم تكن إشادة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، بالكوادر الإعلامية خلال زيارته لوزارة الإعلام ومركز الاتصال الوطني، مجرد محطة بروتوكولية، بل جاءت بمثابة وثيقة تاريخية وإعلان صريح لمرحلة وطنية جديدة؛ مرحلة تستدعي الانتقال الجريء من «خندق الدفاع التكتيكي» إلى مبادرة «الفعل الاستراتيجي».
لقد أثبتت صحفنا المحلية ومؤسساتنا الإعلامية، خلال التحديات المتلاحقة والاعتداءات الآثمة التي استهدفت تماسكنا، أنها الدرع الحصين للوطن، إن هذه المؤسسات العريقة لم تعد مجرد نوافذ لنقل الخبر أو مطابع للورق، بل تحولت إلى قلاع استراتيجية تدافع عن سيادة الأوطان. لقد وجهت الصحافة البحرينية، من خلال مهنيتها العالية وقوة مصادرها الميدانية، رسالة حاسمة ومفحمة كممت أفواه المترصدين وأثبتت بالدليل القاطع أن الإعلام الوطني يتمتع بسقف حرية مسؤول ومهنية راسخة لا تلين، فإن أقلام الكتاب المخلصين وتغطيات صحفنا الوطنية تقف اليوم كتفاً بكتف مع جنودنا البواسل؛ فكما يذود الجندي عن الحدود، يحرس الصحفي العقول والجبهة الداخلية بكلمة الحق والموقف الصلب.
هذا الثبات لم يولد من فراغ، بل هو ثمرة مناخ حر ومسؤول وفرته القيادة الرشيدة، وتكامل فريد بين الرسالة الحكومية وجاهزية صحافتنا المحلية، فلقد أدارت الكفاءات الشابة المشهد الرقمي بامتياز، فامتد عطاؤها لتقطع الطريق على الشائعات وتبث الطمأنينة، لتخرج البحرين من الأزمات أكثر تماسكاً وقوة.
وهنا نضع «نقطتين» للانتقال من مرحلة التشخيص إلى المعالجة المؤسسية المستدامة: إن هذا النجاح الدفاعي المبهر يجب أن يُستثمر ليتحول إلى منظومة عمل استراتيجية دائمة. المعركة الإعلامية الحديثة يكسبها من يمتلك المبادرة ويضع قصته أمام العالم أولاً. ولدينا في البحرين قصة وطن استثنائية تستحق التصدير؛ من سجل ناصع في العمل الإنساني، ونموذج فريد للتعايش الديني، إلى ريادة عالمية في مكافحة الاتجار بالبشر.
ومن الناحية الإدارية والتنظيمية، يبرز بوضوح حجم الحاجة الملحة لإطار قانوني صارم يحمي الفضاء الإعلامي والوطني من أدعياء الإعلام والمنصات الوهمية التي تتخذ من الفضاء الرقمي واجهة لبث السموم والشائعات المهددة للتماسك المجتمعي، وإن هذا التنظيم الفعّال يضع الفاصل الحاسم بين حرية الكلمة المسؤولة والعبث الممنهج، كما يتطلب المشهد بناء بروتوكولات اتصال استباقية تكسر «الانغلاق اللغوي»، وتدمج مفاهيم المسؤولية المجتمعية في صلب العمل الصحفي والمؤسسي، مع تأسيس غرف عمليات إعلامية مشتركة بين الصحف المحلية ومؤسسات القطاع العام لضمان استدامة الجاهزية، لتتوحد جهود الدولة والمجتمع هو الهدف الأسمى، وهذا ما أكده أكد سموه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله بأن «اليد الواحدة لا تصفق»، فإن ثقافة التكامل بين مختلف منابرنا الصحفية هي جدار الصد الذي تتحطم عليه التحديات.
نقطتين
لقد أثبتت الكوادر الإعلامية الوطنية في مختلف المؤسسات الحكومية والصحفية، جنباً إلى جنب مع الأقلام الصحفية الواعدة والكتاب المخلصين، أنها تمتلك كفاءة عالية واحترافية استثنائية وقدرة فائقة على إدارة الأزمات بحكمة واقتدار؛ فقد بان معدنهم الأصيل ولمع في مواطن الاختبار، في حين توارى المتلونون خوفاً وحساباً للمكاسب والمصالح الشخصية. ومن هنا، فإننا مطالبون بوضع «نقاط على الحروف» في تعاملنا الإعلامي والمؤسسي مع هؤلاء المتلونين ومؤسساتهم، عبر استبعادهم من المشهد الوطني الحقيقي وعدم منحهم أي مساحة للتأثير، لتبقى الجبهة الداخلية منيعة، وليظل الوعي الوطني هو الحصن الأمني الأول في وجه كافة التحديات والرهانات الإقليمية.