أحال الإفراط في تداول مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» إلى إشكالية تتجاوز طابعه الوصفي، لتتصل بالبنية الجيوسياسية التي أنتجته ووظفته، وأهمها فشل احتواء مخاطر استدامة الجغرافيات السياسية الفاشلة. فالمفهوم لم ينشأ بوصفه تعبيراً داخلياً عن حاجات دول المنطقة ومجتمعاتها، بل تبلور ضمن تصورات خارجية استهدفت إعادة تنظيم المجال الإقليمي وفق اعتبارات أمنية واستراتيجية واقتصادية. ومن ثم، فإن تحليله يقتضي بحث العلاقة بين حضور مشروع خارجي يمتلك أدوات الفعل، وغياب مشروع إقليمي رادع قادر على إنتاج بدائل مستقلة.
فالمشروع الخارجي اتسم بوضوح نسبي في أهدافه ووسائله، رغم تعدد أطرافه واختلاف خطاباته. فقد ارتبط بإعادة توزيع النفوذ، وضمان أمن إسرائيل، والتحكم في مسارات الطاقة والتجارة، وإعادة بناء التحالفات الإقليمية. كما استعان بخطاب معياري يربط التدخل بمفاهيم الإصلاح والديمقراطية ومحاربة الإرهاب. غير أن هذه المفاهيم أفضت، في تطبيقات عديدة، إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتفكيك مراكز القرار، وتحويل النزاعات الداخلية إلى أزمات قابلة للتدويل.
في المقابل، لم تنجح دول المنطقة في بلورة مشروع سياسي أو استراتيجي مشترك يحد من قدرة القوى الإقليمية أو الخارجية على فرض أجنداتها. فقد انشغلت النظم السياسية بإدارة أزماتها الداخلية، واكتفت غالباً بردود الفعل، من دون بناء تصور متكامل للأمن الإقليمي (أمن الكتل)، أو صياغة أدوات جماعية لحماية المصالح المشتركة (مضيق هرمز). وبذلك اتخذ الانكفاء صورة استراتيجية غير معلنة، نقلت المبادرة من الداخل إلى الخارج، وحوّلت المنطقة إلى مجال مفتوح لإعادة التشكيل (الحرب الأمريكية الإيرانية).
ولا يقتصر أثر هذا الغياب على إنتاج أزمات مؤقتة، بل يسهم في استدامة «الجغرافيا المُتصلة الفاشلة». والمقصود بذلك استمرار المجال الإقليمي في أداء وظائفه بوصفه ساحة للصراع وتوزيع النفوذ، لا فضاءً لإنتاج الاستقرار والتنمية والتكامل. وتتجسد هذه الاستدامة في إعادة تدوير الأزمات (اليمن والعراق)، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، واعتماد الأطراف المحلية على الحماية الخارجية (الحوثي أنموذجاً). كما تُعاد إنتاج الجغرافيا الفاشلة عبر تحويل الاستثناء إلى قاعدة، بحيث تصبح الحرب، والانقسام، والتدخل الخارجي، عناصر دائمة في بنية النظام الإقليمي.
وتستمد هذه الجغرافيا قدرتها على الاستمرار من تفاعل عاملين متكاملين، مشروع خارجي يراكم أدوات النفوذ، وغياب داخلي يحول دون بناء قوة مضادة. فالقوة الرادعة لا تُختزل في الإمكانات العسكرية، بل تشمل التماسك المؤسسي، والشرعية السياسية على أسس وطنية، والاستقلال الاقتصادي، والقدرة على بناء التحالفات وإدارة الصراعات. وحين تغيب هذه العناصر، يتحول الضعف إلى بنية مستدامة، لا إلى ظرف عابر.
وعليه، فإن تجاوز مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» لا يتحقق باستبدال المصطلحات، بل بتغيير شروط إنتاجها. ويتطلب ذلك بناء مشروع دولة قائم على المواطنة وسيادة القانون في الدول الفاشلة، ومشروع إقليمي يربط بين فرض الاستقرار بالتنمية. فبدون مشروع رادع، ستظل الجغرافيا الفاشلة قابلة لإعادة إنتاج نفسها، وستبقى المنطقة موضوعاً لمشاريع الآخرين، لا فاعلاً في صياغة نظامها الإقليمي.