في مسيرة الأوطان محطات تتجاوز حدود الزمن، وشخصيات لا تغيب برحيلها، لأنها تترك في وجدان الشعوب إرثاً من القيم والمواقف والإنجازات، ومن هذا المعنى العميق للوفاء، تستمد مملكة البحرين قدرتها على استحضار تاريخها المشرق، والاعتزاز برجالاتها الذين أسهموا في بناء نهضتها، وترسيخ هويتها الوطنية، وصياغة ملامح دولتها الحديثة، وهي دلالة تتجلى بوضوح في الرؤية الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، التي تجمع بين أصالة الانتماء واستشراف آفاق المستقبل، ويأتي إعلان العام القادم «عام عيسى بن سلمان» مبادرة وطنية تحمل من المعاني أعمقها، ومن الدلالات أرفعها، فهي استذكار لقائد ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية في تاريخ البحرين، وترسيخ لإرث صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، وطيب الله ثراه، الذي شكّلت قيادته علامةً بارزةً في مسيرة البناء والتحديث، وظل عطاؤه حاضراً في الذاكرة الوطنية.
إن الاحتفاء بهذه الشخصية التاريخية العظيمة ليس استعادةً للماضي فحسب، بل هو تجديد للعهد مع القيم التي أرست دعائم النهضة، وتأكيد على أن الأمم الواثقة بمستقبلها هي الأقدر على صون تاريخها، وقد جاءت الكلمة السامية لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه بمناسبة افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب الذي شمله برعايته الكريمة، لتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن صون الهوية الوطنية، وأن الإنجاز التشريعي والاقتصادي والاجتماعي يكتسب معناه الأعمق حين يكون امتداداً لقيم الوطن وثوابته.
كما يعني تخصيص الأول من يونيو يوماً للعهد والولاء، ليجسد أسمى معاني الانتماء، وتتجدد روابط الثقة والمحبة بين القيادة والشعب، في مشهد يعكس خصوصية التجربة البحرينية وتماسك نسيجها الوطني، فالولاء في جوهره ليس شعاراً يُرفع، بل موقف يتجدد بالعطاء، ومسؤولية تترجم إلى عمل، وإخلاص يزداد رسوخاً كلما تعاظمت تطلعات الوطن، وهكذا تمضي البحرين في ظل قيادتها الحكيمة، مستلهمةً من تاريخها قوةً للحاضر، ومن وحدتها ضمانة للمستقبل، لتبقى وفيّة لرجالاتها، معتزة بمنجزاتها، وماضية بثقة نحو مزيدٍ من التقدم والازدهار، فالأوطان التي تحفظ العهد وتصون الذاكرة، تكتب للمجد فصولاً لا تنتهي.