افتح أي منصة من منصات التواصل هذه الأيام، وستجد نفسك في سوق صاخب لا يُباع فيه إلا الشتم، ولا يُشترى فيه إلا الطعن في الدول ورموزها. نشاط غير مسبوق لحسابات لا شغل لها ولا شاغل إلا التعرض للدول الخليجية والعربية، وكأن أصحابها تفرغوا لهذه المهمة تفرغاً كاملاً براتب شهري ثابت!
هذه الحسابات لا تعرف موضوعاً خارج دائرة اهتمامها. مباراة كرة قدم، تصريح عابر، مقطع لمسلسل، قرار اقتصادي، وحتى طبق شعبي.. كل شيء صالح عندهم لأن يتحول إلى قضية رأي عام، وكل قضية صالحة لأن تتحول إلى معركة بين شعبين لا يعلمان أصلاً أنهما في حالة خصومة!
ويكفيك أن تتأمل قليلاً لتكتشف اللعبة. الكلام نفسه، والصياغة نفسها، والصورة نفسها تتكرر في عشرات الحسابات خلال دقائق. بل إن من يعلق مؤيداً ومصفقاً تحت تلك المنشورات هم أنفسهم أفراد المجموعة ذاتها، في مشهد يذكّرك بمسرحية يؤدي فيها الممثل دور البطل والجمهور معاً!
وليس هذا تخميناً أو سوء ظن. فقد أعلنت شركة «ميتا» قبل سنوات تفكيك شبكة حسابات وهمية مرتبطة بإيران كانت البحرين في مقدمة أهدافها، وكان أسلوبها بالضبط أن تنشر وتعجب وتعيد النشر لنفسها حتى يبدو صوتها أعلى من حجمها. ثم جاءت منصة «إكس» بخاصية تكشف مكان إدارة الحساب، فسقطت الأقنعة دفعة واحدة، وإذا بحسابات ترفع أعلاماً خليجية وتتحدث بلهجات أهلها تُدار من عواصم لا يعرف أصحابها الطريق إلى الخليج!
وهذا «الذباب الإلكتروني» عدة أصناف تتكامل أدوارها كفريق محترف. الأول حساب يدعي أنه يمثل دولة خليجية أو عربية بعينها، يرفع علمها ويتسمى بأسماء أهلها، ومهمته زرع الفتنة بينها وبين بقية الدول، أو بين شعبها وشعوب الدول الأخرى.
والصنف الثاني من الفريق ذاته، لكنه يرتدي جنسية أخرى، ويقدّم نفسه بوصفه (المدافع الغيور) عن بلاده. وهو في الحقيقة لا يرد ولا يدافع، بل يصب الزيت على النار، ويجرّ العامة من الطرفين إلى ساحة الخلاف ويوسّعها.
أما الصنف الآخر فهو الضحية الحقيقية. شخصيات حقيقية من أبناء الخليج والعرب، تندفع خلف هؤلاء بدافع الغيرة على أوطانها أو على البلدان الشقيقة، فتدخل معهم في سجال وشتم، قد يصل بها الانفعال إلى التطاول على شخصية سياسية أو على بلد شقيق يدعي (الذباب) أنه منه.. وهنا يكون الذباب قد حقق غايته كاملة، فقد انتقلت الإساءة من حساب وهمي إلى لسان حقيقي!
ويبقى نوع أخير يستحق الشفقة.. ذلك الذي يرى نفسه في منطقة محايدة، فيدخل بين المتخاصمين بنية الإصلاح، فإذا به يتلقى هجوماً مزدوجاً. طرف يشتمه لأنه من البلد الفلاني، وطرف يدعي أنه من بلده يتهمه بالخيانة؛ لأنه لم ينتصر لوطنه! فيخرج بجراح الطرفين، وقد تعلّم أن لا عقل يُخاطب في مستنقع الذباب.
ولو نزل هؤلاء من شاشاتهم إلى أرض الواقع، لاكتشفوا أن عالمهم الافتراضي كذبة كبيرة. نحن نلتقي إخواننا الخليجيين في بلادنا وفي بلادهم، ولم نشهد يوماً سجالاً سياسياً أو تعدياً. فما يجمعنا نحن أبناء الخليج والعرب أكبر من لغة مشتركة. هناك قرابة ومصاهرة ونسب، وترابط اجتماعي متجذر يتجاوز كل الحواجز، ولا تقوى على هزه تغريدة مأجورة أو حساب بلا وجه.
أما نحن في البحرين، فالسعودية والإمارات والكويت وقطر وسلطنة عُمان ليسوا جيراناً ولا حلفاء فحسب، بل أشقاء نعدّهم جزءاً منا. ما يصيبهم يصيبنا، وما يفرحهم يفرحنا.
ولهذا تحديداً، نحن في هذه المرحلة بالذات أحوج ما نكون إلى الوعي واليقظة التامة تجاه عدونا الإيراني. فالخطر لا يأتي من صواريخه ومسيّراته وحدها، بل إن هذه الدولة الغادرة تقاتل على أكثر من جبهة في آن واحد، وتبقى حرب منصات التواصل أخطر أسلحتها، لأنها حرب الكلمة والكذب. صاروخ يُعترض في السماء، ومسيّرة تُسقط قبل أن تبلغ هدفها، أما الكذبة فتتسلل إلى النفوس دون إنذار، وبها تحاول طهران، عبر ذباب ينتحل جنسيات خليجية، أن تمزق ما عجزت عنه بالسلاح.. النسيج الخليجي الواحد.
فلا تمنحوا الذباب ما يريد.. فهو لا يعيش إلا على القذارة وإزعاج الناس!