فائقة الصالح ترثي فقيد الوطن الأمير الراحل خليفة بن سلمان




ينفتح الحديث عن المغفور له صاحب السمّو الملكي الأمير خليفة بن سلمان على مصراعيه حين يتَّصل الأمر بمسار التنمية والرفاه في مملكة البحرين، فقد وعى سموّ الأمير لوضع قواعد التنمية بأسلوب جديد، وبرؤية أدركت منذ الطور الأوَّل لحركة التنمية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي أنّ إرساءَ قواعدِ الحكمِ لا يمكن أَنْ يَتمَّ بِدون إرساءِ قواعد راسخة للتنمية. ومن واقع صلتي العلمية والعملية بالتنمية والتعليم، ومعرفتي المباشرة ببرامجِها وخططِها وتوجهاتِها الإستراتيجية لفترة ثلاثة عقود كانت تجربة صاحب السموّ الملكي الأمير خليفة بن سلمان من أهمّ وأبرزِ التجارب التي ألهمتني وأثارتْ دهشتي. ولست أبالغ حين أَقولُ إني وجدتُ فيها نموذجاً عملياً يتَّصف بالعقلانية البراجماتية. وهي بهذه الصفة نموذجٌ يستحقُّ أن يوضع في برامج التعليم العليا، لما يَتميَّز به من إحكام وحكمة، ولما يستعين به من روِيّةٍ ورؤية.

لقد لمستُ في النموذج التنموي الذي صنعه الأمير خليفة دقةً شديدةً في تقاطعه مع جميع المستويات التي تجعله النموذج الشامل؛ فقد استجاب هذا النموذجُ لحاجات الإنسان في السياسة والاقتصاد والتعليم والخدمة المدنية والصحة والثقافة والأمن الوطني والخدمات العامة. ولم تَنْفِلتْ من ذلك كلِّه رؤية رجل السياسة وحساسيته الشديدة في معرفته الواقع وفي استشعاره مطالب الحياة الكريمة والآمنة. إذْ هي زمام حركة التنمية؛ لأنها تمدّ جميع خياراتها باستبصار يقدر حدود المستقبل القادم ويستشعر آثارها في استقرار الوطن، ولأنها-أيضاً- تمنح برامجها نفاذاً في اتخاذ القرار.

إنّ ما تميزتْ به التنمية الحديثة في مملكة البحرين أَنَّها وُلِدتْ وترعرعت بين يديّ الأمير خليفة، استقبلها بصفته الأب الأَّول، وتدَّرج في مواءمة وعِيهِ بنموِّها، والشغف بملاحظة آثارها في حياة المواطن البحريني. ويُعد رجلاً من رجال السياسة تهيأت له الظروف المناسبة لاستثمار مثل هذه المزية؛ فقد أدركَ والدُهُ المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين ملكاته المبكرة، وكلفَّه بالعديد من المهمات والمواقع الإدارية والقيادية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، فتعلمَّ منها الكثير، واستطلَعَ من خلالها ما تحتاجه البلاد من تنمية في مجالات الإدارة والنفط والتعليم والعمل البلدي والتخطيط... إلخ. وتدريجياً نشأ من رجلِ السياسة سموّ الأمير خليفة رجلٌ من الطراز الأول في التنمية الحضرية.

ولا شكَّ بأَنَّ سموّ الأمير خليفة قد استفاد كثيراً من معايشته تجربة الحكم التي أمضاها والدُه الشيخ سلمان بن حمد، ثم الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة، وصولاً إلى وقوفه مع جلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه. هذه سلسلة قوية في الحكم تعلم منها سموّ الأمير خليفة، وصَقَلَ من خلالها وعيه في السياسة والتنمية الحضرية. كما أدركَ منها أنّ الدولة تُبْنى على المستوى الإنساني بقواعد التنمية الشاملة أولاً وقبل كل شيء.

وإذا ما أدركنا هذه الصلة العقلية والروحية بين رجلِ السياسة ورجلِ التنمية في شخصية سموّ الأمير خليفة سندركُ تلقائياً لماذا مضتْ حركة التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية بسرعة شديدة في البحرين منذ تولي رئاسة مجلس الدولة، ثمَّ رئاسة مجلس الوزراء. وفي تقديري أَنَّه منذ ذلك الحين اختلف إيقاع حركة التنمية إختلافاً كبيراً في مملكة البحرين. لقد تشابكت رؤية التنمية مع جميع متطلبات المواطن البحريني. لم تعدْ خدمات الإسكان وحدها المطلوبة، ولا التعليم وحده، ولا الصحة وحدها، لقد أصبحت هذه مرتبطة بحركة الاقتصاد واستثمار الموارد البشرية، وتوطيد الأمن وتوفير القدر الأكبر من الرفاهية الاجتماعية، وإرساء القوانين والانفتاح على الحداثة عالمياً.

إِنَّ مقاييس نجاح التنمية عادة، كما تؤكد التقارير الدولية والإقليمية (العربية) تكمن في تعدد الخيارات ونموّ التعليم وزيادة الدخل القومي ونموّ الاقتصاد وبناء التشريعات... إلخ؛ فالمقياس دائماً هو تصاعدٌ فيما يتحقق للإنسان من رفاهية اجتماعية وثقافية يأمن فيها على عيشه وسكنه وعمله، وينظرُ للمستقبل بأمنٍ واطمئنان.

وفي مدى زمني يقارب خمسة عقود مضاها سموّ الأمير خليفة مخططاً وموجهاً لحركة التنمية الشاملة في بلادنا يمكن لنا ملاحظة مقدار ما استفاد منه المواطن البحريني من مكاسب تنموية لتكوين حياةٍ مدنيةٍ منفتحةٍ على العمل والنموّ والحداثة، قرى كثيرة منعزلة تحوّلت إلى مدن تتوافر فيها أحدث الطرق وسبل العيش، وتنشط فيها حركة التعليم والأسواق، أحياء صغيرة تحولت إلى ضواحٍ كبيرة، مساحات شاسعة تحوّلت إلى عمران بشري كثيف، تجِّملها مساكن حديثة وتقربها مواصلات ممتدة، انتشار واسع للتعليم وقضاء على الأمية، وكوادر ذكية في الإدارة والتكنوقراط والتكنولوجيا، وانفتاح على الإعلام وتكنولوجيا المعلومات، وتميز يثير الإعجاب والدهشة بتراث البحرين العريق ولمواقعه المسجلة عالمياً ولثقافتها وفنونها التشكيلية ولإنجازها الحضري الذي جرى على مدى سنين بخطوات تستوعب حدود الجغرافيا وتتوسع فيها بتوازن مدروس. إنها تنمية شاملة تصوغ للعالم نموذجاً منفرداً بالفعل، وهو ما انعكس بشكل واضح في تكريم مملكة البحرين في المؤتمرات العالمية، وتكريم شخصية الأمير خليفة بالعديد من الجوائز الدولية والأوسمة والقلادات التكريمية التي تعترف بما قدمه من تطبيقات نموذجية في مجال التنمية الحضرية. ولقد بينت بعض أسباب نموذجيتها، لكن لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى البعد الإنساني لهذا النموذج من التنمية الذي وضعه سموّ الأمير خليفة؛ فهذه التنمية في نهاية المطاف كانت مصدر حماية لحياة المواطن البحريني. إنها أحد أهمِّ أسباب الاستقرار الاجتماعي، ولولا روح الحماية وروح احتواء الحاجات الإنسانية لما وقفت البحرين قوية بمشروعها الإصلاحي، ولما تميزت بهذا النمط الحضاري من التعايش بين الأديان والمذاهب، ولما تميزت بوعي حضاري يعترف بالتنوُّع ويمنح القدر الأكبر من الحريات، ويتيح للمرأة حياة متساوية مع الرجل، ويدفع بها لمواقع القرار، ويشرِّعُ القوانين لها كي تعيش معزَّزة مكرّمة.

إنَّ الصورة الحضارية التي بنتها حركة التنمية في بلادنا مصدر فخر واعتزاز لكلِّ مواطن بحريني اليوم. وهذا وحده قوس انتصار لوطننا الغالي ولقيادتنا الرشيدة ممثلة في جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه وصاحب السموّ الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى رئيس الوزراء.

كلمة أخيرة أقولها كوزيرة للصحة في حق أميرنا الراحل صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة حفظه الله، لقد كان خير ملهم لي، شعرت كل يوم التقيته فيه بأنني ما أزال على عتبات الدراسة في مدرسة الحياة، شعرت بحنان الأبوة وبحب سموه لنا وخوفه علينا وبخاصة عندما يوجه الحديث لي بقوله "بنتنا الوزيرة"، فلهذه الكلمة أكبر الأثر على نفسي وتنسيني كل ضغوطات العمل وتدفعني لمزيد من التضحية لإرضاء رب العالمين وإرضاء قيادتنا الحكيمة، ونكون جنوداً لهذا الوطن الغالي والمعطاء، الذي لم يبخل علينا بشيء منذ أن رأيت أعيننا الدنيا، على هذه الأرض تعلمنا ومن هذا الوطن حصلنا على الأمن والأمان. ومن سموه رحمة الله عليه شعرنا دائماً بالاطمئنان. كل ذلك لأن سموه خليفة بن سلمان.

فائقة بنت سعيد الصالح

وزيرة الصحة، مملكة البحرين