Authors

 عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسي
عثمان عادل العباسي

المحرّق تدرّسنا من جديد

كنت أسير قبل أيام في سوق المحرق، أتأمل الرافعات والعمّال، وهم يرمّمون الجدران، ويعيدون للحجر لونه الأول بعد أن أكلته الشمس والملح. في كل زاوية مشروع، وفي كل فرجانٍ ذاكرة تُبعث من جديد. وجوه الناس القديمة تعود إلى محلاتها الصغيرة، ورائحة القهوة تفوح من الأزقة الضيقة، بينما صوت المطرقة من بعيد يذكّرني أن الزمن يتبدّل، لكن...

ما يحتاج يتنصّت.. أنت قلت له كل شيء

قبل فترة خطرت لي فكرة طريفة، أو قل وسواساً عصرياً. كنت جالساً في زاوية الصالة، أحدّق في هاتفي كما يفعل معظمنا، وفجأة تساءلت: هل يُنصت هذا الجهاز الصغير إلى ما أقوله؟ هل هو مجرد مستمع صامت يسجّل كل همسة، ثم يرسلها إلى مركز البيانات حيث تُحوّل إلى إعلان يظهر لي لاحقاً في إنستغرام أو يوتيوب أو حتى في تطبيقي المفضل لعدد خطوات المشي؟...

موظف بلا راتب.. «بس» يحتاج شاحناً!

في كل مرة يُقال إن الروبوتات ستأخذ وظائفنا، نتصور عالماً مثالياً تدار فيه المصانع بلا بشر، والمكاتب بلا تأخير، والمستشفيات بلا أخطاء. نرى في خيالنا موظفاً معدنياً لا يطلب زيادة في الراتب، ولا يتأخر بسبب الزحمة، ولا يغيب لأن ابنه مريض. لكننا ننسى أن هذا الروبوت البطل قد يتعطل لأنه لم يُحدّث البرنامج، أو يرفض العمل لأن بطاريته...

وجهي ليس نسخة تجريبية

في صباح مدرسي مزدحم كنت أوازن بين حقائب الأبناء وكوب شاي أحمر وقرار بسيط أن أفتح حساباً جديداً وأدفع رسوم نشاط قبل أن يفوتنا الباص. لا طوابير ولا أوراق فقط أنا وهاتفي ودقيقتي الذهبية. أفتح التطبيق ويبدأ بلطف ويطلب التحقق من الهوية. جميل. ثم تنهال المطالب مثل قائمة مشتريات قبل العيد رقم سري لمرة واحدة وتصوير البطاقة من الأمام...

وداعاً للغميضة اليومية مع الأغراض

تخيل مشهداً واقعياً بعد رحلة طويلة وحقائب تجرها وعقلاً نصف نائم وأطفالاً يغطون في النوم في المقعد الخلفي. وصلت إلى البيت متأخراً وتريد مفتاح الباب بسرعة ثم تكتشف أن المفتاح غير موجود في جيبك ولا في الحقيبة ولا في أي مكان منطقي. هنا تأتي تقنية «النطاق فائق العرض (UWB)» كأنها صديق يعرفك منذ زمن. ترفع هاتفك فيرشدك بسهم واضح لا يقول...

من الافتتاح إلى كل شاشة.. وعيٌ سيبراني على الطريق

صباحٌ بحريني يبدأ كما نحب، شاي الحليب على نار هادئة، خبزٌ خارج للتوّ من التنور، وهمّةٌ تتجهز لحدث طال انتظاره. على الطريق إلى القاعة، تتزاحم الرسائل في الهاتف، ونعرف وجهتنا، افتتاح «البرنامج الوطني لإعداد مختصي التوعية السيبرانية». عند المدخل، تسجيل سريع، سلامٌ يجرّ سلاماً، وابتساماتٌ بين وجوه تقنية ومسؤولين من جهات مختلفة؛...

درع السايبر.. التكنولوجيا تلمع والأمن يحرس

نكتب كثيراً عن الذكاء الاصطناعي، حتى امتلأت به الصفحات، وكأننا نتذوّق قهوة جديدة كل يوم. لكن خلف هذه اللمعة طبقة لا تُرى بالعين، ولو غابت صار كل ذلك «فُل أوف لاين»: الأمن السيبراني. السؤال لم يعد من يملك أقوى تقنية، بل من يغلق الباب الخلفي قبل أن يُفتح. في أغسطس السابق، استضافت البحرين تمريناً وطنياً واسعاً للأمن السيبراني تحت...

الذكاء ليس بعيداً.. الملعب عندنا والكرة في أيدينا

بين سبتٍ وسبتٍ تتبدّل ملامح المشهد عندنا بالمنطقة. أنهينا الشهر الماضي حديثنا عن إطلاق «هيوماين شات» بوصفه أول إشارة عملية على أن منطقتنا تريد ذكاءً اصطناعيًا «من عندنا»، يبدأ محليًا بمبدأ sovereign AI (الذكاء السيادي)، أي ذكاء اصطناعي مبني ومستضاف محلياً لحماية البيانات وضمان الخصوصية، ثم يتوسع بثقة. واليوم تكتسب الصورة بُعداً...

هل ننافس الكبار بلغتنا؟

لو أن عبارة «غير متاح في منطقتك» تملك روحاً لابتسمت لنا هذه المرّة. ظهرت لي وأنا أحاول تجربة تطبيق خليجي جديد: هيوماين شات (HUMAIN Chat)، المتاح أولاً داخل السعودية فقط. مشهد معكوس عمّا اعتدناه من التطبيقات الأجنبية؛ منتج عربي يبدأ من ملعبه وبشروطه، ويقول بهدوء: «نطلق محلياً ثم نتوسع»، بدل أن ننتظر نحن بوابة الدخول العالمية. هذه اللمحة...

لون الكنبة.. بين الواقع والافتراض

في ليلة بحرينية عادية، تجتمع العائلة حول كنبة أثارت نقاشاً منذ أسبوعين. اللون؟ بين الرمادي “الراقي” والرمادي “الأكثر رقياً” يضيع القرار. الأب يفتح النظارة الذكية ويقول بثقة المنتصر: خلّونا نجرب الواقع الممتد (Extended Reality – XR). فجأة، تظهر الكنبة الافتراضية وسط الصالة، وتستدير بأناقة، وتتدلّع تحت ضوء المصابيح. الأم تجرّب خامات...

جسور الثقة.. لا حواجز الشك

تبدأ الحكاية بصفٍّ طويل من «تنبيهات» الأجهزة: صوت بصمةٍ يرنّ عند الباب، إشعارٌ يقفز في الهاتف، ورسالةٌ عاجلة تتدلّى في أعلى الشاشة كأنها تذكير بأن نهارك لن يمر بهدوء. في الممرّات، الزملاء يلوّحون بأكواب الكرك ويتبادلون أحاديث الصباح، وفي غرفة الاجتماعات يتحلق الفريق بعد بلاغ غامض عن «مشكلة عاجلة». العمل كان يسير بشكل طبيعي،...

فجر وحسن.. حكاية رحيل وبقاء الأثر

بالأمس، وصلنا خبر وفاة الطفلة فجر بنت حسن جناحي، عن عمرٍ لا يتجاوز خمس سنوات. ورغم أن البحرين تعوّدت على تلقي الأخبار عبر شاشات الهواتف، إلا أن بعض الأخبار لا تمرّ مرور الكرام. شعرت بأن روحي توقفت للحظة، وأن الزمن تباطأ، وكأن القلب يتساءل في دهشة، ثم يتأمل في حكمة الله في هذه الدنيا التي تجمع بين أحزانٍ متتابعة، وفرحٍ عابر كغمضة...