هل تخسر الدول لأنها أخطأت في الحساب.. أم لأنها كانت مثالية أكثر مما يحتمل الواقع؟
في السياسة، لا تُدار بالأماني، بل بالاحتمالات. وبين السخرية والمثالية، تتحرك الدول كما تتحرك القطع فوق رقعة الشطرنج: لا وفق ما يجب أن يكون، بل وفق ما يمكن أن يستمر.
المثالية تفترض أن اللاعبين جميعهم يلتزمون بالقواعد ذاتها، وأن النوايا الحسنة قادرة على إنتاج التوازن. غير أن التجربة تُظهر أن القواعد كثيراً ما تُكسر، وأن الخلل لا ينشأ دائماً من سوء التقدير، بل من سوء النية.
هنا تحديداً تفشل المثالية، لا لأنها غير أخلاقية، بل لأنها تفترض عالماً لا وجود له.
أما السخرية السياسية -وهي هنا ليست تهكماً ولا استخفافاً- فهي وعي بحدود الممكن، وإدراك بأن السياسة لا تُدار بالثقة المطلقة بل بحساب المخاطر، ولا تُبنى على النوايا بل على المصالح.
إنها واقعية باردة، تُتهم بالقسوة، لكنها في كثير من الأحيان الأكثر قدرة على منع الخسارة الكبرى.
في مناطق تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، وتُدار الصراعات بأدوات غير متكافئة، تصبح المثالية رفاهًا خطيراً. فالدولة التي تُصر على لعب دور القطعة الأضعف بحجة الأخلاق، غالباً ما تُخرج نفسها من اللعبة مبكراً.
أما تلك التي تُجيد قراءة اللعبة، فهي لا تسعى إلى الانتصار السريع، بل إلى تأخير الخسارة، وتحويل الخصوم إلى أطراف محسوبة، والخسائر إلى تكاليف يمكن التحكم بها.
السخرية، بهذا المعنى، ليست تخلياً عن القيم، بل محاولة لحمايتها من التبسيط. فالقيم التي لا تجد طريقها إلى الواقع تتحول إلى عبء، والدول التي تُدار بعاطفة أخلاقية مجردة، كثيراً ما تدفع ثمناً لا يدفعه غيرها.
ولهذا، تميل الدول التي تفهم منطق الرقعة إلى الإدارة الهادئة للمصالح، لا إلى الشعارات المرتفعة.
في هذا السياق، يصبح الصمت أحياناً حركة محسوبة، والتراجع المؤقت تقدماً مؤجلاً، وتجنب المواجهة المباشرة شكلاً من أشكال الانتصار.
فالشطرنج لا يكافئ من يهاجم أولاً، بل من يعرف متى لا يهاجم. والمثاليون، في اندفاعهم نحو “الحل الصحيح”، كثيراً ما ينسون أن الخطوة الصحيحة قد تكون قاتلة إذا جاءت في التوقيت الخطأ.
- الخلاصة:
في السياسة، لا تنتصر المثالية لأنها أجمل، ولا تُدان السخرية لأنها أبرد. الانتصار يكون لمن يفهم الرقعة كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
فالأخلاق التي لا تحمي الدولة قد تتحول، دون قصد، إلى طريق لفقدانها. وبين لاعب يحلم بعدالة كاملة، وآخر يسعى إلى توازن قابل للاستمرار، غالباً ما تبقى القطع على الرقعة للأخير.