عثمان عادل العباسي

في إحدى الإجازات، جلستُ مع أبنائي في صالة البيت، وقد أعلنتُ – بقرار أبوي تاريخي – السماح باستخدام أجهزة الجيمينج “لفترة مفتوحة نسبياً”، وهي عبارة فضفاضة تعني: إلى أن ينفد صبري أو ينفد الشاي. جلسوا متقابلين، تتعالى أصوات الحماس، هذا يخطط لهجوم ذكي، وذاك ينسّق دفاعاً محكماً، وأنا أراقبهم بابتسامة من يعرف أن المعركة حامية... لكنها تجري في عالم افتراضي لا يكلفني إصلاح جدارٍ مكسور.

كان المشهد جميلاً؛ تنافسٌ بريء، عقول تعمل، أصابع تتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء، ونقاشات جانبية لا تقل سخونة عن مباريات كأس العالم. جلستُ أنا أيضاً بجهازٍ في يدي “للمشاركة المعنوية”، وكوب الشاي بجانبي كحارسٍ شخصي للهدوء. وبين جولة وأخرى، فتحتُ هاتفي أتصفح الأخبار، فإذا بخبرٍ يلفت انتباهي: وزارة التربية والتعليم تطلق مقرر “100 Gaming” في المدارس الثانوية. ابتسمتُ لا إرادياً. شعرتُ وكأن القرار وُلد في صالة بيتٍ شبيه ببيتنا؛ وكأن سعادة الوزير الدكتور محمد بن مبارك جمعة التقط نبض هذه اللحظات الأبوية، فحوّلها إلى فكرة تعليمية جريئة. ضحكات، تحديات، خطط، وهزائم صغيرة يتعلم منها المرء أحياناً أكثر مما يتعلم من درس تقليدي في كتاب جامد. الخبر لم يكن عن “اللعب” كما يخشى البعض، بل عن تحويل اللعبة من مجرد تسلية إلى معرفة منظّمة. المقرر – كما نُشر – يتناول تاريخ صناعة الألعاب، من أيام أجهزة أتاري القديمة إلى عالم التصميم والتطوير، ويفتح الباب للحديث عن البرمجة، والتفكير التصميمي، وحتى المسارات المهنية الممكنة في هذا القطاع الذي أصبح صناعة عالمية بمليارات الدولارات. فجأة، تحولت تلك اليد التي تمسك جهاز التحكم من “مضيعة وقت” إلى يدٍ قد تكون يوماً ما مصممة عالمٍ افتراضي كامل.

وأنا أراقب أبنائي يتناقشون حول أفضل استراتيجية للفوز، أدركتُ أن ما يحدث أمامي ليس مجرد لعب. هناك تخطيط، توزيع أدوار، تحليل مخاطر، وإدارة موارد. بعبارة أخرى: إدارة مشروع مصغر، ولكن دون بدل رسمي وربطة عنق! لو كتبنا ذلك في سيرة ذاتية لقلنا: «مهارات قيادية في بيئة تنافسية عالية الضغط».

الفكرة الجريئة هنا ليست في إدخال مادة جديدة فحسب، بل في الاعتراف بأن العالم تغيّر. أبناؤنا لا يعيشون بين دفتي كتاب فقط، بل بين شاشات وتطبيقات وعوالم رقمية. فبدل أن نقف في الجهة المقابلة ونرفع أصابع التحذير، ربما كان الأذكى أن نقف بجانبهم، نوجّه، وننظم، ونحوّل الشغف إلى مسارٍ معرفي.

طبعاً، سيبقى هناك من يتساءل: هل نحتاج حقاً إلى مادة “جيمينج”؟ لكن السؤال الأصدق ربما يكون: هل يمكننا تجاهل عالمٍ يعيش فيه أبناؤنا نصف يومهم؟ إذا كان بإمكان المدرسة أن تعلّمهم كيف يصممون اللعبة بدل أن يكتفوا بلعبها، فقد نكون أمام خطوة تستبق كثيراً من الدول في المنطقة.

أطفأتُ جهازي بعد خسارةٍ محترمة، ونظرتُ إلى أبنائي وهم يضحكون. قلت في نفسي: لعل المستقبل لا يُكتب بالقلم وحده، بل أحياناً يُبرمج بذراع تحكم.. ومعه كوب شاي ساخن يحرس الفكرة حتى تنضج.

* خبير تقني