في كل موسم دراسي يتكرر المشهد ذاته: صفوف شبه خالية، وأعذار تتكاثر أكثر من الحضور.
بعد الامتحانات يغيب الطلبة، قبلها يغيب بعضهم، وبين الفصول الدراسية يتسع الغياب حتى يصبح وكأنه «أمر اعتيادي». يغيّبون أحياناً بسبب الجو البارد، أو الحر الشديد، أو مناسبة اجتماعية، أو أي ظرف بسيط آخر.. أي سبب يبرر غيابهم في نظرهم.
وأكتب هذا الكلام لا استهدافاً لمدرسة بعينها، ولا تحميلاً لإدارة دون أخرى، بل لأن الظاهرة باتت أوسع من أن تُحصر في إطار ضيق. ما نشهده اليوم ليس حالة معزولة، بل نمطاً يتكرر في معظم المدارس، ليس فقط في البحرين، بل على امتداد الدول العربية، بدرجات متفاوتة. حين تتشابه المشاهد في أكثر من موقع، ندرك أن المسألة لم تعد فردية، بل عامة تستحق نقاشاً صريحاً ومسؤولاً.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل نحن أمام ظروف طارئة فعلاً؟ أم أمام مزاج جماعي فقد حسّ الالتزام؟
المدرسة ليست مكاناً للتحصيل الأكاديمي فحسب، بل بيئة تُبنى فيها العادات.
الانضباط اليومي – حتى في الأيام العادية – يشكّل ما يُعرف في علم النفس بالانضباط الذاتي، وهو أحد أهم مؤشرات النجاح طويل المدى، كما بيّنت أبحاث Angela Duckworth حول المثابرة وأثرها المستقبلي.حين يصبح الغياب خياراً سهلاً، تتشكّل رسالة خفية:
الحضور ليس قيمة، بل ظرفاً.
كأم ملتزمة، أجد نفسي أمام سؤال مربك:
هل أرسل ابنتي إلى صف شبه فارغ؟
وإن كان الحضور محدوداً، فهل يُستثمر اليوم الدراسي فعلياً؟
هنا تتحول القضية من قرار فردي إلى ثقافة عامة.
فالالتزام لا يُبنى في بيئة تعتبر الغياب أمراً طبيعياً، ولا ينمو في مناخ يربط المسؤولية بالمزاج.
الغياب قد يكون أحياناً ضرورة..
لكن حين يتحول إلى سلوك جماعي متكرر، فهو لم يعد طارئاً، بل مؤشراً يستحق التوقف.