لطالما ارتبط اسم مملكة البحرين في الأذهان بصوت الأمواج الهادئة، هي الجزيرة التي حوّلها مشروع حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى واحة للتعايش، ونموذج يُحتذى في الانفتاح على العالم، فمن أرض اللؤلؤ انطلقت مبادرات السلام، وإلى العالم مدت جسور المحبة، فكانت كما عهدناها دائماً قبلة آمنة في محيط مضطرب.

لكن للأسف، لم يسلم هذا النموذج الفريد من الشر وأهله، فقد تعرضت مملكتنا الحبيبة لعدوان آثم غير مسبوق، مصدره جارة لا ترعى إلاّ نار الفتنة، كان الهدف واضحاً، زعزعة هذه الصورة الناصعة، واستهداف هذه القلعة الشامخة. لكن ما لم يحسب له الحساب، هو أن البحرين كانت كالجبال الرواسي، ففي خضم هذه المحنة، تجلت المعادن، وأثبت الأداء الرسمي والشعبي صلابة وتميزاً وإبداعاً فاق التوقعات.

لقد رأينا قيادة حكيمة واعية، تقود سفينة الوطن بكل اقتدار في أعتى العواصف، جلالة الملك المعظم، يقود المسيرة بكل حكمة ومسؤولية وبسياسة مبصرة، وبمساندة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.

أما حكومة البحرين الموقرة، فقد كتبت ملحمة في التدبير والإدارة، ففي الوقت الذي تتعرض فيه البلاد لعدوان شرس، حرصت الحكومة على ألا يشعر المواطن أو المقيم بأي نقص، الخدمات استمرت وكأن شيئاً لم يكن، الأسواق ظلت عامرة بالسلع، الكهرباء لم تنقطع، والإنترنت كان متاحاً، الإدارة المتميزة للحياة المعيشية في زمن الحرب بهذه السلاسة هو إنجاز بحد ذاته، فاق كل التوقعات.

ولا يمكن الحديث عن هذه الملحمة دون الوقوف إجلالاً لأبطالنا البواسل في قوة دفاع البحرين. لأننا نثق بهم ثقة عمياء، ونعلم أن عيونهم لا تنام، لكن ما قدموه في حماية سمائنا وأرضنا وفي التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية كان بطولة استثنائية، فبعيون يقظة وأيدٍ قوية، رسموا لوحة فخر في سماء الوطن، فاقت التوقعات وجعلت الرأس يعلو بهم عالياً.

وكذلك الحال مع وزارة الداخلية ورجالها الأبطال الأوفياء، الذين كانوا سداً منيعاً للأمن والسكينة، الدفاع المدني، الصحة، وجميع مؤسسات الدولة، كلٌّ في موقعه، كان نداً للحدث، وأثبت أن البحرين مؤسسات لا تُقهر، وأن جهوزيتها الدائمة فاقت التوقعات. وكان للإعلام دورٌ مسؤول وشريك في مساندة الجهود الوطنية، بخطابٍ يعكس روح الانتماء، ناقلاً للحقيقة، ومعزِّزاً للوعي، ومساهِماً في ترسيخ الثقة والطمأنينة في نفوس المواطنين والمقيمين.

وفي خضم هذا المشهد المهيب، كان الشعب البحريني الأبيّ، نموذجاً رائعاً في تكاتفه، وقف الجميع صفاً واحداً خلف القيادة الحكيمة متعاونين مع الأجهزة المعنية برباطة جأش لم تزعزعها صواريخ ولا تهديدات، كانوا درعاً بشرياً منيعاً، يتحدى العدوان بالوعي والانتماء. ولا ننسَ المقيمين على أرض البحرين، الذين شاركونا الشعور ووقفوا مع الوطن في محنته، مؤكدين أن البحرين للجميع، وأن أمنها هو أمن من يعيش على ثراها.

إن ما حدث في تلك الأيام العصيبة، كان ميلاداً جديداً للثقة. لقد اختبرت الأزمة أداء البحرين، فخرجت بنجاح باهر. أثبتت القيادة أنها الأكفأ والأجدر، وأثبتت الحكومة أنها الأقدر، وأثبتت المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية أنها الأجهز للحماية والأفضل للإدارة، وأثبت الشعب أنه الأوفى.

تحية للبحرين، قيادة وحكومة وشعباً ومقيمين. تحية للبحرين، سالمة غانمة، لا تعصف بها الرياح والعواصف، إنما تعلو عليها بإرادتها الصلبة وإيمانها الراسخ.

هي كما كانت وستبقى.. أرض السلام، والصخرة التي تتحطم عليها مطامع ومؤامرات الأعداء، وقلب العروبة النابض بالأمان.