وضعت الدكتورة الشيخة رنا بنت عيسى آل خليفة المدير العام لمعهد الإدارة العامة يدها على حقيقةٍ باتت تدركها دول العالم المتقدمة حين أكدت أن الاتصال الحكومي أصبح عاملاً استراتيجياً في دعم السياسات العامة وتعزيز الشفافية، فوفقاً لتقارير دولية حديثة، يعتمد أكثر من 70% من الأفراد على المنصات والمصادر الرقمية للحصول على المعلومات المتعلقة بالخدمات والسياسات الحكومية، فيما تشير الدراسات إلى أن المؤسسات التي تتواصل بفاعلية مع جمهورها تحظى بمستويات أعلى من الثقة والرضا المجتمعي.
الاتصال الحكومي لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات أو إصدار البيانات، بل أصبح أحد أهم الجسور التي تربط الدولة بالمجتمع، وأحد الأدوات المؤثرة في بناء الثقة وتعزيز المصداقية، فالحكومات الحديثة أصبحت تقاس بقدرتها على إيصال تلك الإنجازات إلى الناس بوضوح وشفافية واحترافية. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في الكفاءات الوطنية العاملة في قطاع الاتصال الحكومي باعتباره استثماراً في الوعي العام قبل أن يكون استثماراً في الإعلام.
ولعل ما يميز التجربة البحرينية في هذا المجال أنها لا تكتفي بمواكبة التطورات، بل تسعى إلى استباقها، فالحديث عن استشراف التوجهات الإعلامية المستقبلية، وتوظيف أدوات الابتكار والذكاء الاصطناعي في العمل الاتصالي، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة المقبلة، فالذكاء الاصطناعي أصبح شريكاً فاعلاً في صناعة المحتوى، وتحليل البيانات، وقياس الأثر الإعلامي، وهي أدوات تمكّن المؤسسات من اتخاذ قرارات أكثر دقة وكفاءة وفاعلية.
ومن المعروف أن قوة المؤسسات تُختبر في أوقات الأزمات، كما تُختبر قدرتها على التواصل وإدارة الرسائل، فكلمة واحدة قد تبعث الطمأنينة في مجتمع بأكمله، بينما قد تفتح رسالة غير مدروسة أبواباً واسعة للتأويل والشائعات، ولهذا يقال إن «الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعة».
ومن هنا تأتي أهمية إعداد قيادات اتصالية قادرة على إدارة المواقف المختلفة بحكمة ومهنية، خاصة في عصر أصبحت فيه الأخبار تنتقل إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ معدودة.
إن نجاح الدفعة الأولى من البرنامج التنفيذي في الاتصال الحكومي، وإطلاق دفعة ثانية منه، يؤكد أن بناء الإنسان يظل الاستثمار الأكثر ربحاً واستدامة، فالمشروعات تُنجز، والمباني تُشيَّد، لكن العقول القادرة على إدارة الرسالة وصناعة التأثير هي التي تصنع الفارق الحقيقي، وكما تقول الحكمة: «إذا أردت أن تبني لعام فازرع قمحاً، وإذا أردت أن تبني لعقد فازرع شجراً، أما إذا أردت أن تبني لمائة عام فاستثمر في الإنسان»، وهذا ما تفعله البحرين اليوم؛ فهي لا تُدرب موظفين فحسب، بل تبني جيلاً من القادة الاتصاليين القادرين على أن يكونوا صوت الإنجاز، وجسر الثقة، وصُنّاع الصورة الوطنية المشرقة في عالم تتنافس فيه الدول على كسب العقول قبل كسب الانتباه.