ستنتهي هذه الحرب الإيرانية الآثمة التي فرضت علينا عاجلاً ليس آجلاً إن شاء الله، لكنها ستفرض بلا شك واقعاً اقتصادياً جديداً ربما من الأنسب أن يرافقه تفكير عميق بأن المعالجة لا تكمن في حلول تقليدية، وأن إزالة آثار الحرب الاقتصادية تتجاوز بمراحل فكرة الحلول الإسعافية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أو تقديم تسهيلات بنكية وتأجيل للأقساط وتخفيف لبعض الفواتير الخدمية، فالمسألة تمس جوهر البنية الاقتصادية التي تعرضت لهزات تتطلب رؤية شاملة لإعادة التأسيس.

لقد فرضت هذه المرحلة تغيرات بنيوية عميقة طالت مفاصل الاقتصاد العالمي على حد سواء، بدءاً من قطاعات الطاقة كالنفط والغاز، وصولاً إلى تعقيدات الشحن والنقل التي تأثرت بإغلاق الممرات الحيوية كمضيق هرمز. هذا التأثر لم يتوقف عند حدود التجارة الدولية، بل امتد ليشمل العقار والسياحة وأنماط الاستهلاك اليومي وسوق العمل، حيث أصبحت الإنتاجية رهينة للجهد الحربي المستنزف للموارد، والكلام الآن عن إعادة تشغيل ربما تحتاج إلى سنوات وسنوات.

كلما تمكنا من التفكير بطريقة أشمل استطعنا حجز عربة أفضل في قطار خرج عن السكة وربما لن يعود لمساره السابق أبداً. إن إعادة قراءة الخارطة الاقتصادية الخليجية والإقليمية والعالمية وتشابكاتها بين القوى الكبرى كالصين وروسيا والهند وكندا والاتحاد الأوروبي وحتى دول مثل إثيوبيا ورواندا مهم جدا في هذه المرحلة.

ماذا عن مرتكزاتنا الاقتصادية ومصادر الدخل الوطني الكبرى؟ ربما من الأهمية بمكان إعادة صياغة المشهد الاقتصادي الوطني لضمان تعافٍ سريع ومرن. لا يجب التركيز فقط على إصلاح الضرر، بل إن التعافي الحقيقي يتسارع عندما يبدأ التفكير الجدي في اقتناص الفرص الناشئة وسط فوضى الحرب، وتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق لبناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية الجديدة.

تكمن الفرص الناشئة في الوصول لفهم علمي ودقيق للمتغيرات على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي، ثم إعادة صياغة الأولويات الوطنية وفقا لذلك. إن استكشاف مجالات تقنية ومعلوماتية جديدة، والبحث عن أسواق غير تقليدية، وتطوير مهارات القوى العاملة لتتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة، محركات أساسية تحول اقتصاد ما بعد الحرب من حالة الانكماش إلى مرحلة النمو والازدهار المستدام. ربما من المفيد لنا أن نبدأ هذا التفكير الاستراتيجي الآن وليس غداً.