لم يعد السفر بالنسبة للكثيرين مجرد رفاهية أو كماليات أو لدواعي العمل أو لأسباب أخرى كما السابق، بل أصبح السفر ضرورة في ظل ضغوطات الحياة، نحن بحاجة في كثير من الأحيان إلى التجديد وإلى متنفس آخر، لأن السفر استثمار في أنفسنا.
يقال بأن للسفر فوائد وأنه يمكن التعرف على معادن الناس في الغربة، تكتشف طباعهم وتعاملهم مع الآخرين، ولكني أجد بأن المرء يتعرف على نفسه في السفر، ويكتشف جوانب كثيرة من شخصيته، فالسفر محطة لاختبار مدى صبر الإنسان في مواجهة مواقف عديدة، ومحطة أخرى في التعرّف على مهارات التواصل مع الآخرين، خصوصاً عندما يسافر مع عدد من الأشخاص، يتضح تعاونه ومرونته، لذلك يكون السفر مرآة يرى المرء فيها نفسه، لأنها تعكس حقيقته بعيداً عن الحياة الروتينية. فهو لقاء جديد مع النفس خاصة عندما يشاهد ما يلمس قلبه ويشعره بالسعادة، مثلاً معالم طبيعة، معالم مدنية، معالم أثرية، أماكن مزدحمة، مطاعم ومقاهٍ وأسواق والكثير، ربما تكون تلك الأشياء بسيطة ولكنها في نفس المسافر عميقة، لأنه يدرك في تلك اللحظة جمال العالم، وأنه قادر على أن يسعد نفسه، وهذه بالتأكيد شجاعة في خوض تجارب لم يعتد عليها في بلده.
في السفر تُرفع الأقنعة ويُتبدل إيقاع اليوم، لأنه يخفف ثقل الهوية اليومية في العمل أو المنزل، إنسان آخر ربما يكون أكثر نشاطاً أو أكثر خمولاً بحسب ما يريد وبحسب ما يحب، المهم أن يعيش التجربة بالطريق التي تناسب قلبه وطاقته، لذلك يردد الكثيرون بأن الوجهة لا تهمهم بقدر ما تهمهم فكرة أن يكونوا مسافرين، وهذا بحد ذاته اعتراف بأن السفر يعبّر عن حالة داخلية تتغير مع السفر، وتعبّر عن عشق الترحال وخوض تجربة جديدة.
السفر رحلة لاكتشاف الذات وفهمها من لحظة التخطيط للسفر إلى لحظة الرجوع منه، وبين تلك اللحظتين يكون التفكير الأعمق في تخطيط وجهة قادمة، فيبدأ بتخطيط لرحلة جديدة وهو مازال داخل الرحلة الأولى، ويظل مشغولاً بحلم جديد، لأنه يحب السفر ويحب المغامرة ويحب التغيير، وهذه حالة نفسية أصبحت لدى الكثيرين عندما يبحثون في كل مرة يسافرون بها عن فرح أو معرفة أو راحة أو بداية جديدة، لأنهم يحبون الحياة ويحبون السفر.