عندما تتعرض دول الخليج العربي لتهديدات مباشرة أو غير مباشرة؛ بسبب صراعات لا علاقة لها بها، فإن أخطر ما في المشهد ليس فقط مصدر التهديد، بل الأصوات التي تحاول تبريره أو التخفيف من خطورته أو تسويقه كجزء من «رد مشروع».
وهنا يجب أن يقال الكلام بلا مجاملة: لا يوجد أي مبرر أخلاقي أو سياسي أو قانوني لاستهداف دول لم تكن طرفاً في الصراع أصلاً.
ما يجري اليوم في ظل الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعطي طهران حق تحويل الخليج العربي إلى ساحة ضغط أو رسائل نارية، ولا يمنح أبواقها الحق في تبرير استهداف الأعيان المدنية أو المنشآت النفطية أو البنى التحتية أو المصالح الاقتصادية لدول لم تطلق رصاصة واحدة في هذا الصراع.
ومن يقول إن استهداف الخليج العربي جزء من «الرد المشروع» يضع نفسه – سياسياً وأخلاقياً – في موقع تبرير التهديد، مهما حاول تغليف ذلك بالشعارات.
تباً لهذا المنطق.. وتباً لكل خطاب يحاول إقناع الخليجيين بأن أمنهم مجرد تفصيل في معركة الآخرين.
فالحقيقة التي يعرفها الجميع أن هذا السلوك ليس وليد اللحظة، بل امتداد لعقود من العمل المنظم عبر الحرس الثوري الإيراني وأذرعه، باستخدام خلايا تجسس، وشبكات تخريب، وعمليات تهريب سلاح، ومشاريع فوضى ناعمة وخشنة حسب المرحلة.
في البحرين، لم تكن الخلايا التي تم كشفها مجرد قضايا عابرة، بل مخططات تضمنت متفجرات وتدريبات خارجية وارتباطات مباشرة بمشاريع تستهدف ضرب الاستقرار. هذه ليست روايات إعلامية، بل ملفات أمن دولة.
وفي الكويت، كشفت خلية العبدلي وأخرى تم الكشف عنها قبل أسابيع حقيقة لا يمكن القفز عليها: مخازن أسلحة، متفجرات، شبكات اتصال، وارتباطات بتنظيمات مدعومة من إيران. قضية أكدت أن المسألة لم تكن تعاطفاً سياسياً، بل عملاً أمنياً منظماً.
وفي قطر، كشفت قضايا تجسس في فترات مختلفة أن محاولات الاختراق الاستخباراتي لم تتوقف، وأن النشاط السري ظل أحد أدوات النفوذ الإيرانية في المنطقة.
هذه ليست مصادفات..
وعند قراءة هذا المسار زمنياً، تتضح الصورة أكثر: منذ التسعينات بدأت محاولات بناء خلايا نفوذ، وفي الألفينات توسعت شبكات التأثير، وبعد 2011 استغلت طهران الفوضى الإقليمية، ثم توالت عمليات كشف الخلايا حتى الوقت الراهن.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بحدة:
إذا لم تكن كل هذه الوقائع كافية للإدانة الواضحة.. فما الذي ينتظره المترددون؟
المشكلة لم تعد في التهديد نفسه، بل في وجود من يحاول تمييعه، أو يطالب بالصمت، أو يتحدث بلغة مزدوجة، أو يتصرف وكأن أمن الخليج موضوع قابل للنقاش.
فلنكن واضحين:
الصمت هنا ليس حياداً.. بل ضعفاً.
والتردد ليس حكمة.. بل هروباً.
والمواقف الرمادية ليست توازناً.. بل ثغراتٍ.
والتاريخ السياسي يعلمنا أن أخطر ما يشجع أي مشروع توسعي ليس قوته، بل تردد من يواجهه.
حجر الزاوية
الحقيقة التي يجب أن تترسخ اليوم دون أي مواربة: أمن الخليج العربي ليس ورقة تفاوض.. وليس رسالة بريد في صراعات الآخرين. وليس ساحة ردود أفعال إيرانية. وليس موضوعاً للمزايدات الأيديولوجية.
حجر الزاوية هو موقف صريح لا يحتمل التفسير: من يبرر استهداف دول الخليج العربي شريك في الخطر. ومن يلتزم الصمت يساهم في إضعاف الردع. ومن يرفض الإدانة الواضحة يفتح الباب لتكرار التهديد.
هذه ليست لغة تصعيد.. هذه لغة واقع.
أمن البحرين والخليج العربي ليس رأياً.. بل سيادة.