لم تكن أربعون يوماً عادية في تاريخ المنطقة. كانت أياماً ثقيلة، مليئة بالترقّب والقلق، اختُبرت فيها الأعصاب كما اختُبرت القدرات، وتعرّضت خلالها دول الخليج العربي، التي عُرفت طويلاً بالأمن والاستقرار، لسلسلة من الاعتداءات المتكرّرة، كشفت بوضوح طبيعة التهديدات التي تُحيط بها، وأعادت ترتيب كثير من القناعات حول الأمن الإقليمي ومعادلاته.
في بلدي البحرين تحديداً، تم اعتراض وتدمير 194 صاروخاً و516 طائرة مسيّرة. هذه الأرقام تدل على شجاعة كبيرة، وتختصر واقعاً تقف خلفه منظومة متطورة من الجاهزية، تبدأ بالتخطيط الاستراتيجي، وتمرّ بالتدريب المكثّف، ولا تنفصل عن التنسيق مع الحلفاء والاستفادة من الخبرات الدولية. وهي في جوهرها نتيجة سنوات من الاستثمار في الإنسان قبل العتاد، وفي العقل قبل السلاح.
الأيام الماضية أبرزت الدور المحوري لمنتسبي قوة دفاع البحرين الشجعان. أولئك الذين يقفون في الخطوط الأولى التزاماً بالواجب، ويتحركون بانضباط، ويواجهون الأخطار بثبات. ومن خلفهم، قيادة محنكة تمتلك رؤية ثاقبة، وتُدير المشهد بثقة وتمكّن في أكثر اللحظات سخونة، وهو ما يصنع الفارق الحقيقي في مثل هذه الظروف.
قد يظن البعض أن التفوق يُقاس بالحجم، أو بعدد السكان، لكن التجربة أثبتت أن المعادلة أعمق من ذلك بكثير. فالدول، مهما صغرت مساحتها، أو قلّ عدد سكانها، تستطيع أن تصنع لنفسها حضوراً قوياً في أي مشهد وموقف إذا امتلكت الإرادة، واستثمرت في قدراتها، وأحسنت إدارة مواردها وتحالفاتها.
وهنا تتجلّى الحكمة القرآنية الخالدة؛ «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ».
ليست الآية دعوة للاعتماد على القلة وحدها، بل تذكيراً بأن النصر لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بعوامل أعمق تشمل الإيمان، والصبر، والإعداد والتجهيز المتقن، والقدرة على الثبات في لحظات الشدّة. وهي معانٍ رأينا انعكاسها واقعاً خلال الأيام القليلة التي مضت.
إن ما مرّت به البحرين والمنطقة خلال هذه الأربعين يوماً ليس مجرد أزمة عابرة، بل تجربة عميقة ستترك أثرها على السياسات، وعلى أولويات الأمن، وعلى شكل العلاقات الإقليمية في المستقبل. وهي تذكير دائم بأن الأمن لا يُؤخذ كأمر مُسلّم به، بل يُبنى ويُصان كل يوم.
ويبقى الشكر والامتنان واجباً، أولاً لله -سبحانه وتعالى، الرحيم العزيز الذي يحفظنا برحمته الواسعة وثانياً لكل من يقف في الميدان، ويساهم في حماية هذه الأرض وأهلها. فخلف كل يوم آمن نعيشه، هناك رجال ونساء مخلصون سخرهم رب العالمين لخدمة الوطن، يسهرون، ويعملون، ويُخاطرون بأرواحهم، حتى تبقى الحياة مستمرة كما نعرفها.