بينما كنتُ أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي، استوقفني خبر بدء محاكمة (رجل) بتهمة الشروع في قتل زوجته.
لم يكن الخبر جديداً عليّ، فقد تابعت تفاصيل الواقعة منذ بدايتها، بكل ما فيها من قسوة وبشاعة لا يحتملها قلبٌ سليم؛ لكن ما لم أتوقعه، وما كان أشد وقعاً من الجريمة ذاتها، هو ما قرأته في التعليقات.
كتبت إحداهن تعليقاً على الخبر.. «تستاهل»!وكتبت أخرى: «ماذا فعلت به الزوجة حتى جنّ هكذا؟».كلمة واحدة، جملة واحدة، لكنها تختصر انهياراً أخلاقياً مخيفاً.
فأي منطق هذا الذي يمنح إنساناً، لا يعرف الضحية ولا يعيش ظروفها، حق إصدار حكم نهائي قاسٍ يصل حد تبرير الألم.. لا بل والموت؟من أين جاءت هذه الجرأة على أرواح الناس؟ وأي قسوة تلك التي تجعل البعض يختزل إنساناً في لحظة، ويحكم عليه دون علمٍ، أو بينة، أو ضمير؟
وبأي حق تتم محاولة تحميل الضحية مسؤولية ما وقع عليها؟ وكأن العنف يُبرر، وكأن الجريمة تحتاج إلى ذريعة، وكأن الألم يُوزع بحسب استحقاقٍ مزعوم.
«تستاهل»! كلمة..لكنها في حقيقتها ليست مجرد رأي، بل حكماً نهائياً بالإدانة، لا على المتهم، بل على الضحية. حكماً صادراً عن محكمةٍ افتراضية، لا تعرف ملف القضية، ولا تسمع دفاعاً، ولا تقيم وزناً لقرينة البراءة، ولا حتى لحرمة النفس البشرية.
الحقيقة التي لا تقبل الجدل، لا قانوناً ولا شرعاً، أن لا شيء - مطلقاً- يمنح إنساناً الحق في إيذاء إنسان آخر، فضلاً عن محاولة قتله.من الناحية القانونية، المسألة محسومة لا تحتمل التأويل.
الشروع في القتل ليس «ردة فعل»، ولا «انفلاتاً عاطفياً»، بل هو جريمة مكتملة الأركان من حيث القصد، حتى وإن لم تكتمل نتيجتها.
ويصنّف من الجرائم العمدية التي تقوم على توافر القصد الجنائي وسبق الإصرار، وتُقابل بعقوبات صارمة، لأنها تمس الحق الأسمى: الحق في الحياة.القانون لا ينظر إلى الأعذار العاطفية، ولا يقيم وزناً لتفسيرات تُبنى على الظن أو الانفعال؛ فحماية النفس البشرية مبدأ لا مساومة فيه.والقانون، في جوهره، لا يعاقب فقط لحماية الضحية، بل لحماية المجتمع من الانزلاق إلى فوضى التبرير. فلو فُتح باب «الاستحقاق» في الألم، لانتهى بنا الأمر إلى شرعنة العنف، وتحويل الجريمة إلى خيارٍ قابل للنقاش.أما في ميزان الشريعة، فالمسألة أعمق من مجرد تجريم، إنها إعادة تأسيس للعلاقة الإنسانية من أصلها.لقد حسم الإسلام هذا الباب منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، حين وضع إطاراً واضحاً للعلاقة الزوجية، قائماً على الرحمة والمودة، لا على الإيذاء والعدوان. قال تعالى: «فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان».لم يكن ذلك توجيهاً أخلاقياً فحسب، بل قاعدة حاكمة، تقطع الطريق على كل أشكال الإيذاء داخل العلاقة الزوجية.فالمعروف ليس حداً أدنى من المعاملة، بل كل ما تعارف الناس على حسنه من قولٍ وفعل، واحترام، وتقدير، وصون للكرامة، وكفّ الأذى.أما الإحسان فلا يعني إنهاءً هادئاً للعلاقة، بل ارتقاءً أخلاقياً حتى في لحظة الانفصال، حيث يُمنع الظلم والأذى والانتقام.ولم يقف الأمر عند النصوص، بل تجسد في سلوك النبي حين قال: «استوصوا بالنساء خيراً»، وفي رواية أخرى: «خيركم خيركم لأهله».فأين نحن من هذا الهدي؟بل أي انحرافٍ هذا الذي يجعل البعض يبحث عن «مبرر» لجريمة، في دينٍ أغلق هذا الباب بإحكام؟وكيف انقلبت بعض المفاهيم حتى أصبح التعاطف مع الجاني، والتشكيك في الضحية، أمراً متداولاً بل ومقبولاً في بعض المساحات الرقمية؟إن أخطر ما في هذه التعليقات ليس مجرد كلمات، بل ما تعكسه من وعيٍ مشوه، ومن خلل عميق في ميزان العدالة الإنسانية. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقوانينها، بل أيضاً بضميرها الجمعي، وبقدرتها على حماية الضعيف لا تبرير إيذائه.وحين يتجرأ البعض على منح أنفسهم حق الحكم على الآخرين - خاصة الضحايا - فهم لا يعبّرون عن رأي، بل يعيدون إنتاج ثقافة تُخفف من وطأة الجريمة، وتُثقل كاهل الضحية مرتين؛ مرة بالفعل، وأخرى بالتشكيك.إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إعادة ترميم هذا الضمير، وأن نتذكر أن خلف كل خبر إنساناً يتألم، لا مادة للجدل.وأن العدالة ليست شعوراً شخصياً، بل هي منظومة تحكمها قوانين، ويهذبها دين، ويصونها وعي.إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقتل الضمير دفعة واحدة، بل تُضعفه تدريجياً، حتى يصبح العنف مقبولاً، والتعاطف مشروطاً، والعدالة انتقائية.وهنا، تتراجع وظيفة المجتمع من كونه حاضنة للعدل، إلى كونه ساحةً للاتهام.في كل مرة نكتب فيها تعليقاً، أو نقرأ دون اعتراض، نحن لا نمرّ مروراً عابراً، نحن نُسهم، بصمتٍ أو بكلمة، في تشكيل ميزان العدالة داخلنا.فأي ميزان نريد؟