جلست وهي تغالب دموعها، تتحدث بهدوء ولكني أستشعر ما بداخلها من حرقة.. هي أم لطفل من ذوي الهمم، بلغ الثانية عشر من عمره ولا يزال يحتاج العناية كطفل في الثالثة.. هي لم تنكر جهود الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، ولكنها تبحث عمن ينظر إلى هذا الطفل وأقرانه بإنسانية.. وبمشاريع ومبادرات تضمن لهم مستقبلاً حقيقباً بدون نظرة الشفقة..
تشير الأرقام، والتي أعلنها وزير التنمية الاجتماعية في جلسة مجلس الشورى الأسبوع الماضي، إلى وجود أكثر من خمسة عشر ألف شخص من ذوي الهمم، وهو رقم يبدو واضحاً ومحدداً في التقارير الرسمية يمكن قراءته بسهولة، وربما يتم ذكره في سياق إنجاز أو خطة أو برنامج.
لكن في الحقيقة أن خلف هذا الرقم تكمن خمسة عشر ألف قصة مختلفة.. وخمسة عشر ألف يوم يبدأ بتحدٍ.. وخمسة عشر ألف محاولة لإثبات أن الإنسان يقاس بإصراره على أن يكون حاضراً في الحياة.
شخصياً أعتبر أن الأرقام بطبيعتها جافة، لأنها قد تعطيك معلومة، ولكنها لا تخبرك عما يعانيه ذلك الشاب بحثاً عن فرصة عمل حقيقية، وليست مجرد «فرصة تجميلية». هي لا تصف كيف تقضي تلك الأم يومها بين مواعيد العلاج والمدرسة، وهي تحاول أن تقنع طفلها ونفسها بأن المستقبل أجمل.. الأرقام لا تصف ذلك الصمت الذي يشعر به كثير من أصحاب الهمم، حين تتم معاملتهم كحالة خاصة وليس كأفراد لهم حقوق.
في سوق العمل تتجلى الفجوة بوضوح، فهناك من يوظف ذوي الهمم بدافع الالتزام، لتتحول الوظيفة إلى مقعد بلا مسار للتطور، وبلا مسؤوليات حقيقية.
كثير من ذوي الهمم لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل يبحثون عن فرص حقيقية وعادلة، يريدون أن يتم اختبارهم، أن يخطئوا، أن ينجحوا، أن يتم التعامل معهم كجزء طبيعي من المجتمع، وليس كملف اجتماعي، يريدون أن يعرف الجميع ما يمكن أن ينجزوه لا أن يتم اختزالهم في حالتهم.
لذلك من المهم أن نعيد تعريف «الدمج»، ليس بوصفه وجوداً جسدياً في المكان بل حضوراً حقيقياً في القرار، في الفرصة، في الاحترام، فالمقصود بالدمج ليس أن ندخل شخصاً إلى مكان ما؛ بل أن نجعله قادراً على أن يكون مؤثراً فيه.
وأخيراً؛ فإن المسألة ليست متعلقة بذوي الهمم فقط، بل بالمجتمع ككل، الطريقة التي نتعامل بها مع أكثر فئاته حاجة للدعم تكشف عن عمق إنسانيتنا، لأن المجتمعات لا تقاس بعدد المبادرات التي تطلقها فقط، بل بعدد الأشخاص الذين تغيرت حياتهم فعلاً بسببها.