حملت الكلمة الافتتاحية لمعالي وزير الداخلية معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في اليوم الأول من قمة أبوظبي العالمية للأمن المستدام 2026، والمصاحبة للمعرض الدولي للأمن الوطني ودرء المخاطر «آيسنار 2026»، مجموعة من الرسائل الاستراتيجية والأمنية تجسد رؤية البحرين خاصة خلال المرحلة الحالية التي تشهدها المملكة سواء على المستوى المحلي أو ما تشهده المنطقة على المستوى الإقليمي والدولي.

لذلك جاءت الرسالة الأبرز من معاليه بالتأكيد على أن مملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبدعم ومتابعة حكيمة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، تؤمن بأن المستقبل للأكثر كفاءة وجاهزية، وأكثر قدرة على بناء الثقة، والأكثر استثماراً في الإنسان والعلم والتكنولوجيا.

ولعل من أبرز تلك الرسائل الاستراتيجية والأمنية أيضاً كانت تأكيد معاليه على أن منطقة الخليج العربي لم تعد مجرد نطاق جغرافي أو ممر حيوي، بل أحد الأعمدة التي يستند إليها استقرار العالم بأسره، موضحاً في هذا المقام أن أمن الطاقة، وسلامة التجارة الدولية، واستمرارية سلاسل الإمداد، وحركة الاقتصاد العالمي، جميعها ترتبط بصورة مباشرة باستقرار هذه المنطقة الحيوية.

وهنا لابد من الإشارة إلى تنويه معالي وزير الداخلية المتعلق بأنه أي توتر في الخليج العربي، لا يبقى محصوراً داخل حدوده، بل تمتد ارتداداته إلى الأسواق العالمية والمجتمعات الخارجية، لذلك جاء تشديد معاليه على أن استقرار الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً فقط بل ضرورة دولية لحماية الأمن الجماعي، خاصة مع إدراك ووعي دول مجلس التعاون الخليجي أن الدول لا تُختبر في أوقات الاستقرار، بل في لحظات الضغط، حين تصبح سرعة القرار، ووضوح القيادة، وثقة المجتمع، عوامل فاصلة بين الفوضى والاتزان، وهو في حقيقة الأمر، سر نجاح دول مجلس التعاون الخليجي بوجه عام، ومملكة البحرين بوجه خاص في التصدي لمثيري الفوضى.

ولقد كان لافتاً إشارة معالي وزير الداخلية إلى العلاقات الأخوية الراسخة التي تربط بين مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة خاصة مع تأكيد تضامن مملكة البحرين الثابت مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ودعمها التام لكل ما تتخذه من إجراءات مشروعة لصون سيادتها وحماية أمنها واستقرارها، لاسيما في ظل التعاون والتنسيق الأمني رفيع المستوى بين البلدين، وتعزيز جهودهما المشتركة في ترسيخ الاستقرار الإقليمي وحماية الأمن والسلم الدوليين.

من هذا المنطلق جاء تنويه معالي وزير الداخلية إلى أن البلدين الشقيقين لهما رؤية مشتركة في أن بناء الأمن المستدام لا يتحقق بمنطق ردود الأفعال المؤقتة، وإنما عبر رؤية استراتيجية طويلة المدى، بعقلية الدولة التي قوامها الاعتدال، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان، والتكامل بين الأمن والتنمية، لذلك حرص معاليه على أن التطرق إلى ما يميز تجربة البلدين الشقيقين في عدم النظر إلى الأمن باعتباره مسؤولية الأجهزة الأمنية فحسب، بل مسؤولية عامة تشمل المؤسسات والتشريعات والمجتمع والوعي العام.

لذلك كانت الرؤية بعيدة المدى للبلدين الشقيقين في إيمانهما بأن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة وأثبتنا أن الأمن الحقيقي يتحقق عبر بناء مؤسسات قوية تسهم في تعزيز الثقة المجتمعية، والاستثمار في التكنولوجيا وخاصة دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من تعقيدات وتحديات وأزمات، خاصة وأن تلك التحديات الأمنية شكلت تحولات عميقة في خريطة المشهد الدولي على مختلف الأصعدة.

لكن ما يدعو للاطمئنان في هذا الصدد هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة استطاعت بوعي أن ترسخ نفسها نموذجاً للدولة التي لا تنظر إلى الأمن باعتباره مجرد منظومة إجراءات، بل مشروع حضارة، واستثمار في الإنسان، ورؤية بعيدة المدى لصناعة الاستقرار، بالإضافة إلى أن الشراكة البحرينية الإماراتية تمثل امتداداً حياً لوحدة وتماسك مجلس التعاون الخليجي.

ولقد حرص معالي وزير الداخلية على التوقف عند تجربة مملكة البحرين في الحوكمة المدفوعة بالتكنولوجيا وإدارة الطوارئ، خلال الظروف الإقليمية الدقيقة التي شهدتها المنطقة في فترات التوتر والحرب، حيث كشفت أن إدارة الأزمات الحديثة لم تعد عملاً تقليدياً قائماً على رد الفعل، بل أصبحت عِلماً ومَنطِقاً قائماً على التنبؤ، والاستباق، وتحليل البيانات، والتكامل المؤسسي، خاصة وأن التجربة البحرينية شهدت نجاحاً ملحوظاً ومثالاً عملياً لذلك، بلغة المؤشرات والأرقام.

من هنا جاء اعتماد مملكة البحرين منصة مراقبة المؤشرات الحكومية، والتي تمثل أداة مركزية لتمكين الحوكمة القائمة على الأداء بما يساعد في رصد أداء الجهات الحكومية بشكل لحظي مقابل الأهداف الاستراتيجية والخطط الوطنية ودعم اتخاذ القرار، خاصة وأن البيانات، بحسب ما أوضح معالي وزير الداخلية، تمثل اليوم مورداً استراتيجياً، لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية الأساسية، وأصبحت القدرة على تحويل المعلومة المجردة إلى قرار سريع ودقيق إحدى أهم أدوات حماية الدول.

من هذا المنطلق، تطرق معالي وزير الداخلية إلى دور وكالة البحرين للفضاء في توظيف البيانات الجيوفضائية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم التنبؤ بالكوارث، وتحليل المخاطر البيئية، وتعزيز سرعة الاستجابة الوطنية، وميدانياً يأتي دور الاستخدام المتقدم للطائرات المسيّرة والكاميرات الذكية في تقييم الأضرار، ودعم البحث والإنقاذ، ومراقبة المنشآت الحيوية، وإدارة الحشود، لحفظ الأرواح والممتلكات، ونقل الصورة الحية لصانع القرار.

وقد حرص معالي وزير الداخلية على شرح كيفية الانتقال من مفهوم «رد الفعل» إلى مفهوم «الوعي الميداني اللحظي»، وهو أحد أهم التحولات في فلسفة الأمن المعاصر، ذلك كان حرص مملكة البحرين على أن تضع الأمن السيبراني في صميم أمنها الوطني، عبر تعزيز دور المركز الوطني للأمن السيبراني، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025–2028، وبناء برامج وطنية للجاهزية الرقمية، وحماية البنية التحتية الحيوية، ونشر ثقافة الوعي السيبراني داخل المجتمع والمؤسسات.

ومن الرسائل الاستراتيجية والأمنية لمعالي وزير الداخلية والتي يجب أن نتوقف عندها، حديث معاليه عن أن التأخر في اكتشاف الجريمة الإلكترونية يُقاس بالخسائر التي تصيب دولة خلال دقائق محدودة، لاسيما وأن الجريمة المنظمة تتحرك بسرعة التكنولوجيا ويجب أن يكون التعاون الدولي أسرع منها، لذلك، كان تأكيد معاليه على ضرورة ترسيخ مبدأ التعاون باعتباره ضرورة استراتيجية لتجفيف منابع الجريمة من مصادرها، ومواجهة تهديداتها قبل تحولها إلى مخاطر تمس استقرار الدول، خاصة وأن الجريمة الإلكترونية تفرض إيقاعاً جديداً في مفهوم الأمن فالمعركة اليوم مع الزمن والوعي، لكن في الوقت ذاته، لابد من الإشارة إلى أنه رغم كل التطور التكنولوجي يبقى الإنسان محور الأمن الحقيقي.

في الوقت ذاته، كانت إحدى الرسائل ذات الأهمية الاستراتيجية الأمنية ما يتعلق بأنه لا يمكن تحقيق أمن مستدام دون عدالة فعّالة ولا يمكن حماية العدالة دون مؤسسات أمنية محترفة، خاصة وأن الأمن المستدام يتحقق بالرؤية والصمود والشراكة والإيمان بأن استقرار الشعوب أساس استقرار العالم.