اليوم بعد أن نجحت الدولة في اتخاذ أهم وأقوى وأخطر القرارات التي تأخرت كثيراً في اتخاذها بعد أن عزلت رؤوس الفتنة وأدواتها، لابد أن يكون لدى الدولة خطة شاملة تبدأ بمشروع فكري موازٍ يمنع تسلل منابع الإرهاب من جديد في أثواب أخرى!! ويبدأ بعد أن تهدأ الأمور بالعمل على تفكيك الفكر العازل والخطاب المحرض السابق، فتحرير العقول مهمة لا تقل أهمية عن تحرير تلك المناطق التي تركت معزولة عن الدولة.
التهاون بتفكيك الفكر والخطاب يُظهر الدولة بمظهر من لا يعرف حجم المشكلة وتجذرها، وأن أداوتها تقتصر على تلك الاحتفالات أو غيرها من مبادرات الدمج على أساس أنها أقصى ما يمكن للدولة أن تقوم به.
ففي تلك المناطق تواجه الهوية البحرينية أكبر تحدياتها، ولم ينجح ذلك التيار في اختراق تلك القرى والسيطرة عليها إلا بعد أن جردها من جذرها العربي بتغير مدارسها الفقهية وتحويلها إلى قم، فانتزع منها أول الأعمدة العربية، وسهل عليه خلط السمة الفارسية مع الهوية الدينية، حتى غطت السمة الإيرانية الحديثة الممثلة بتيار الولي الفقيه على أي هوية شيعية عربية، تلك تشوهات مست الهوية البحرينية الأصيلة لأبناء القرى، وإصلاح التشوهات التي جرت عليها على مدى العقود الماضية يحتاج إلى مشروع وطني بحجم وقدر ذلك التشويه، فهل تستعد الدولة لمثل هذا المشروع؟
لم تكن القرى البحرينية بهذا التماهي مع الهوية الإيرانية كما هي الآن، كانت شيعية طوال تاريخها، لكنها كانت عربية الهوى والهوية، ولها عمقها الخليجي الممتد إلى شرق الجزيرة العربية، ولا تخطئ العين المجردة تلك السمات.
نجح التيار الإيراني في نزع الدسم الخليجي منها بعد أن أغدق عليها سماته الفارسية التي ربطها بالتدين والتشيع، رغم أن التشيع أطول عمراً من مؤسس ذلك التيار، وفي البحرين موجود قبل أن يولد.
بعد أن نجحت الدولة في عزل رؤوس ذلك التيار من تلك القرى، وحررتها من سطوتهم، هل تملك الدولة مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الهوية البحرينية الوطنية بجدية هذه المرة، وفي كل مناطق البحرين لا القرى فقط.
وحين نتحدث عن الهوية البحرينية فنحن لا نتحدث عن «بدونة» الكل -إن صح التعبير- ولا عن «تريف» الكل ولا عن «مدننة» الكل، ستظل تلك الخصوصيات رافداً لا غنى عنه للهوية الجامعة، لكننا نحتاج مشروعاً وطنياً شاملاً تعنى به الدولة للتركيز من جديد على البوتقة التي كانت جامعاً لتلك الهويات المتعددة، على البوتقة التي كانت لتلك الهويات الصغيرة بيتاً كبيراً، منسجمة فيه ومنصهرة داخلها، يحفظ ذلك البيت، ويقويه من جديد.
تشريعاتنا، تدابيرنا، برامجنا، تعليمنا، إعلامنا إلخ.. لا يجب أن يجتهد فيها كل وزير وفق رؤيته الخاصة، ووفق ميزانيته المتضعضعة، ويبحث لهذه المهمة شاغراً وسط بقية المهام المناط بها.
الهوية الوطنية في وقتنا هذا لابد أن تأتي على رأس أولويات دولنا الخليجية بعد أن ثبت دورها ومسؤوليتها عن ذلك الاختراق الذي حصل، فهي وحدها إن قويت استطاعت أن تحمي البحرين من أي اختراق أو محاولة جذب خارجية أو محاولات العزل وإن ضعفت وأهملت ولم توضع صيانتها على رأس أولويات الدولة، فإن اختراقها سيمر كما تمر السكينة في الزبدة السائحة على رأي الإنجليز.
فلا تظن الدولة أن عملها انتهى بإبعاد رؤوس ذلك التيار وتجريم فكره، فالفضاء الإلكتروني سيظل مورداً للتغذية المستمرة لهذا الفكر الهدّام والخطير، بل وهناك كانتونات أخرى تتشكل في مواقع أخرى في الدولة، تتخذ أشكالاً دينية، بعضها سني وبعضها شيعي، أحياناً تأتي على شكل مؤسسات دينية تارة وثقافية تارة أخرى والعين المجردة من جديد لا تخطئها، كلها تشكل خطراً على البوتقة البحرينية الجامعة، كلها جدران عزل وتفتيت ناشطة قد تهاونت الدولة في تقدير خطورتها.فهل نأخذ الأمر بجدية هذه المرة؟