لو سألت الناس قبل سنوات، وتحديداً خلال «طفرة» استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لو سألتهم عن إمكانية قيام الدول بمنع شرائح من المجتمع، بالأخص الأطفال والناشئة من استخدام هذه الوسائل، لربما كانت ردة الفعل الاستغراب أو الاستنكار؛ باعتبارها وسائل متطورة وفيها من الفائدة الكثير.

لكن اليوم بدأت الدول تتحرك بجدية في اتجاه هذا المنع، دول وصلت لقناعة بعد دراسات ومشاهدات ورصد لمظاهر وإحصائيات، إلى أن ما يحدث على هذه المنصات لم يعد ينحصر في الاستفادة العلمية، أو الترفيه، ولا حتى التواصل ومشاركة التجارب، بل أصبح ما يحدث أقرب إلى اختراق أخلاقي وفكري كامل، والهدف هم الأطفال الصغار والناشئة، وهنا لسنا نبالغ إطلاقاً.

من يراقب ما يُنشر اليوم على كثير من المنصات يُدرك أن البيئة الرقمية لم تعد كما كانت. الطفل لم يعد يدخل إلى منصة ليرى أصدقاءه أو يشاهد محتوى يناسب عمره.

بل أصبح عرضة لكمية هائلة من المواد التي تظهر أمامه فجأة ومن دون أي بحث أو طلب منه، مجرد منشور واحد خاطئ، فإذا بعشرات المواد المشابهة ستُعرض أمامه.

المصيبة أنها محتويات ومشاهد لا تناسب سنّه.

سلوكيات خاطئة تُقدَّم على أنها أمر طبيعي، ألفاظ هابطة، محتوى جنسي، محتوى يروّج للشذوذ، ومقاطع تحاول كسر كل حاجز أخلاقي أو اجتماعي أو ديني يمكن أن يحمي الطفل.

المشكلة ليست فقط في وجود هذا المحتوى الهادم والخطير، المشكلة في المنصات نفسها، وهي تحاول أن تدفع هذا المحتوى دفعاً إلى المستخدمين عبر الخوارزميات.

والمصيبة أنه كلما شاهد الطفل شيئاً منها، زاد ما يُعرض عليه وبلا توقف.

الصعوبة في تصحيح المسار تكمن في أنه بمرور الوقت يصبح الأمر طبيعياً. ويصبح الخطأ مجرد «وجهة نظر».

يتم تبسيط الأمور التي كانت في يوم من الأيام محظورات و«تابو» لا يجب أن يُكسر، يتم تبسيطها لتتحول إلى مسلّمات، بل إلى مظاهر للتطور والحداثة والانفتاح الذهني.

هنا تكمن الخطورة؛ فنحن لا نتحدث عن طفل يشاهد برنامجاً محدداً وينتهي الأمر. نحن نتحدث عن ساعات طويلة يقضيها يومياً داخل عالم مفتوح، لا يعرف من يديره، ولا من يصنع محتواه، ولا الأهداف الحقيقية وراء ما يُدفع إليه من أفكار وسلوكيات.

لهذا بدأت دول كثيرة اليوم تتخذ خطوات لحماية الأطفال وعدم تركهم داخل هذه البيئة الرقمية الملوثة.

لأن تركهم يعني أنك ستشاهد بالضرورة نتائج خطرة تظهر على السلوك وتضرب في أساس القيم والأخلاق.

في البحرين لابد وأن ندرس هذا الموضوع بجدية أكبر؛ لأنها قضية تتعلق بجيل كامل.

والإيجابي بأننا نرى اليوم أصواتاً نيابية وأكاديمية وتربوية تدق ناقوس الخطر، وتطالب بالتحرك ووضع ضوابط أكثر صرامة لحماية الأطفال من التأثيرات السلبية لهذه المنصات.

لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن ينكر حجم المشكلة ونسبة الخطورة. إذ يكفي أن تنظر إلى طفل يحمل هاتفاً لساعات طويلة يومياً، وهو منغمس فيه لدرجة التخشب!

وهنا الأسئلة تتقاذف في ذهنك بسرعة كبيرة، إذ من الذي يربيه أكثر، والده، مدرسته، أم الخوارزمية، ومن يقف وراء صناعة المحتوى الخطير والهابط؟!

دول متقدمة وصلت إلى قناعة بأن حماية الأطفال تستدعي منعهم أو تقييد وصولهم إلى وسائل التواصل حتى سنّ معينة، وعليه أرى بأنه حان الوقت لأن نخوض هذا النقاش بجدية نحن أيضاً.

لأن القضية تتعلق بأطفالنا، وهم أثمن ما نملك.