هذا الصباح...
لم تستيقظ القصائد في موعدها.
كان ثمة شيءٌ غريبٌ يسري بين رفوف المكتبات؛ الكتبُ متلاصقةٌ كأنها تتعزّى ببعضها، والدواوينُ مطرقةُ الرؤوس، والأوراقُ البيضاء تنتظر قلمًا تعرف أنه لن يعود.
وحين سألتُ أحدَ الرفوف:
ما الذي حدث؟
أجابني بصوتٍ يشبه حفيف الصفحات:
لقد رحل علي عبدالله خليفة...
عندها فقط، فهمتُ لماذا انطفأت قناديل القصائد، ولماذا ارتدى سورُ الحروف السواد.
رأيتُ الكلماتِ تخرجُ من المعاجم يتيمةً، تبحثُ عن الرجل الذي كان يُحسن الإصغاء إليها قبل أن يكتبها، ويمنحها من روحه قبل أن يمنحها حبره.
كان يعرف كيف يجعل البحرين قصيدةً، والتراثَ ذاكرةً تمشي على قدمين، والإنسانَ حكايةً تستحق أن تُروى.
ولم يكن يكتب الحرف...
بل كان يوقظه.
كان إذا مرَّ على كلمةٍ قديمةٍ، أعاد إليها شبابها، وإذا جلس إلى التراث، أنصت إليه كما ينصت الابنُ إلى حديث أبيه، ثم يحمله إلى الأجيال بثوبٍ جديد، دون أن يسقط من جيبه شيءٌ من أصالته.
اليوم...
خرجت القصائدُ من دواوينها تحمل نعش شاعرها.
وسارت المكتباتُ خلفه في جنازةٍ لا يراها إلا العاشقون للكلمة.
حتى الأقلامُ انحنت.
وحتى الحبرُ رفض أن يجف، وكأنه أراد أن يبقى شاهدًا على أن رجلاً مرَّ من هنا، فترك في اللغة أثراً لا تمحوه السنون.
لكن الموت...
لا يعرف كيف يهزم الكتّاب.
إنه يأخذ الجسد، ويترك آلاف الأرواح مبعثرةً بين الصفحات.
كل كتابٍ كتبه نافذة.
وكل قصيدةٍ غرسها شجرة.
وكل قارئٍ أحب كلماته امتدادٌ جديدٌ لعمره.
لهذا، لا يموت الكاتب ما دامت حروفه تُضيء الدروب، وما دامت كتبه تنطق كلما فتحها قارئ، وما دام طفلٌ يكتشف اللغة لأول مرة، فيجد فيها شيئاً من صوته، وشيئاً من روح ذلك الأديب الذي آمن أن الكلمة وطنٌ آخر.
سيغيب المقعد الذي كان يجلس عليه...
لكن البحرين ستجده في مكتباتها، وفي دفاتر طلابها، وفي ذاكرة مثقفيها، وفي كل بيت شعرٍ يعبر الزمن دون أن يشيخ.
أما اليوم...
فهو ليس يوم حداد أسرةٍ أو أصدقاء.
إنه يومُ حدادِ المكتبات.
يومُ الحروف التي فقدت أحد أوفيائها.
ويومُ القصائد التي أطفأت قناديلها، احترامًا لرجلٍ ظلَّ عمره كله يشعلها.
رحم الله الأديب والشاعر علي عبدالله خليفة...
لقد رحل الجسد، لكن الحروف ما زالت تمشي بيننا، تحمل ملامحه، وتدلُّنا عليه كلما فتحنا كتاباً، أو أنصتنا لقصيدة، أو مررنا بجوار مكتبةٍ يختبئ بين رفوفها شيءٌ من روحه.