لم تكن الطاولة التي اجتمع حولها وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية في المنامة مجرد منصة للحوار، بل بدت وكأنها ورشة سياسية يعاد فوقها رسم ملامح الأمن الإقليمي بعد مرحلة حبست فيها الأزمات أنفاس المنطقة، وبينما اعتادت الاجتماعات السابقة أن تُعقد لإدارة التوترات واحتواء تداعياتها، جاء اجتماع المنامة مختلفاً؛ لأنه حاول الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار، ومن احتواء المخاطر إلى بناء قواعد سلام أكثر استدامة.
في تقديري، تكمن أهمية هذا الاجتماع في أنه لم يكتفِ بإصدار بيانات سياسية، بل وضع إطاراً لمرحلة جديدة تقوم على ربط الأمن بالتنمية، والدبلوماسية بالشراكة، والاستقرار بالاقتصاد، ولذلك لم يكن الترحيب بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية مجرد موقف دبلوماسي، بل رسالة واضحة بأن المنطقة اختارت أن تمنح الحوار فرصة، مع التأكيد في الوقت ذاته أن أي انفتاح اقتصادي أو سياسي سيظل مرهوناً بالتزام إيران بتعهداتها، ووقف كل ما يهدد أمن المنطقة وسيادة دولها.
ولعل أبرز ما يميز هذا الاجتماع أنه أعاد الاعتبار لأمن الممرات البحرية، فمضيق هرمز، الذي تعبر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية، ونحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح معياراً لاستقرار الاقتصاد العالمي بأكمله، ومن هنا اكتسب الإجماع على رفض فرض أي قيود أو رسوم على حرية الملاحة أهمية استثنائية، لأن استقرار المضيق يعني استقرار أسواق الطاقة، وتراجع تكاليف التأمين البحري، وحماية سلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، برز إعلان سلطنة عُمان إنشاء ممر بحري مؤقت للسفن بوصفه أحد أهم المخرجات العملية التي صاحبت هذه المرحلة، فهذا الإعلان يعكس دوراً استراتيجياً يعزز مكانة السلطنة وسيطاً موثوقاً وصانعاً للحلول، فالدول لا تُقاس اليوم بحجم مواقفها السياسية فقط، بل بقدرتها على ابتكار مبادرات تحفظ انسيابية التجارة العالمية، وتمنح الأسواق رسائل طمأنة في أكثر اللحظات حساسية.
ومن هنا، فإن الأشهر المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لما أُنجز في المنامة، فإذا استمرت المفاوضات، والتزمت الأطراف بما تعهدت به، فإن المنطقة مرشحة لمرحلة تتراجع فيها المخاطر الجيوسياسية، وتزداد فيها ثقة المستثمرين، وتتوسع الشراكات الاقتصادية، بما ينعكس إيجاباً على أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي.
ولعل العبارة الأصدق التي يمكن أن تختصر هذه المرحلة هي:» الأمن الحقيقي لا يبدأ عند حدود الدول، بل يبدأ عندما تصبح المصالح المشتركة أقوى من أسباب الصراع».
لقد أثبتت المنامة أن الدبلوماسية ليست ترفاً سياسياً، بل أداة لصناعة المستقبل، وإذا كانت الحروب تفرض وقائعها بالقوة، فإن الحوار وحده هو القادر على تحويل تلك الوقائع إلى فرص للاستقرار، ومن هنا، فإن هذا الاجتماع بداية مرحلة جديدة، عنوانها أن أمن المنطقة لا يُبنى بالردع وحده، وإنما بالشراكات، والثقة، والإرادة السياسية التي تجعل السلام مشروعاً دائماً، لا هدنة مؤقتة.
إعلامية وباحثة أكاديمية