لم ألمس ارتياحاً لدى النخب الخليجية تجاه مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، بل أرى أن الشعور السائد حيالها هو مزيج من خيبة الأمل والقلق. فالمذكرة تجاهلت ملفات تمس صميم الأمن الخليجي، وفي مقدمتها الأذرع التخريبية الإيرانية والصواريخ بعيدة المدى.

ولعلّ ما يؤكد ذلك هو ما ورد في البيان الختامي للاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية، الذي احتضنته البحرين مؤخراً، حيث شدد على أن «تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلب التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ودعم الوكلاء في المنطقة».

الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد، في مقاله (تسليم هرمز لإيران ودول الخليج) المنشور في صحيفة الشرق الأوسط، عبّر بوضوح عن هذه الخيبة حين وصف ما قدمته واشنطن لطهران بالهدايا، والتي شملت التعهّد بعدم الاعتداء عليها، وعلى حليفها حزب الله، وتمكينها من الوصول إلى أموالها المحتجزة، بل وحتى إنشاء صندوق إغاثي. مقابل ماذا؟ لا شيء جوهرياً.

فإيران، كما يقول الراشد، لم تردّ هذه الهدايا بالمثل، بل خرجت من مفاوضات جنيف أكثر ثقةً وتشدداً، وفرضت واقعاً جديداً في مضيق هرمز يمنحها نفوذاً سياسياً خطيراً تتحكم من خلاله بأسواق الطاقة العالمية.

كما أشار إلى أن واشنطن تفاوضت من موقع استعجال، نظراً لتراجع مخزونها النفطي الاستراتيجي واقتراب انتخابات الكونغرس، وقدّمت أثماناً كبيرة من دون ضمانات صريحة تعالج جذور التهديد الإيراني في المنطقة.

أما الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم، فقد قال في حواره مع الإعلامي طوني خليفة على قناة المشهد، إنه لأول مرة منذ خمسين عاماً يجد نفسه متفقاً مع إسرائيل، مؤيداً موقفها الغاضب من هذه المذكرة، لأنها ببساطة تمنح إيران مكاسب من دون أن تسعى لكبح مشروعها الإقليمي التوسعي.

وعلى الرغم من أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأخيرة إلى دول الخليج هدفت إلى الطمأنة بشأن ما احتوته المذكرة، والتأكيد على تضامن الولايات المتحدة مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الطمأنات لم تعد كافية. فالواقع يكشف استمرار العجرفة الإيرانية من خلال التحكم في مضيق هرمز بصورة مستهترة و استمرار الاعتداءات الغاشمة على الجيران.

وفي هذا السياق، جاءت مداخلة وزير الإعلام الكويتي السابق سامي النصف، في لقائه مع الإعلامي محمد الملا على قناة العربية، لتطرح اقتراحات أكثر جرأة؛ إذ دعا إلى استخدام الأدوات ذاتها التي استخدمتها إيران لعقود ضد الدول العربية، من خلال دعم قوى داخلية معارضة للنظام الإيراني، باعتبار أن إيران دولة متعددة القوميات وقابلة للاهتزاز من الداخل، تماماً كما موّلت طهران جماعات في العراق ولبنان وسوريا واليمن لزعزعة الأمن واختطاف القرار من الدولة.

كما دعا إلى توظيف الثقل الاقتصادي الخليجي في التعامل مع حلفاء طهران، خصوصاً الصين وروسيا، اللتين ترتبطان مع الخليج بميزان تجاري واستثماري ضخم، يمكن استخدامه كورقة ضغط، أو على الأقل لثنيهما عن تقديم دعم مطلق لإيران كما هو حاصل الان.

و يعكس هذا الطرح الجديد رغبة حقيقية لدى هذه النخب في أن تتجه دولها إلى تبني خطوات ردع فعلية تحمي الأمن الخليجي، وتعيد رسم قواعد التعامل مع التهديد الإيراني المتواصل منذ سبعة وأربعين عاماً، بعد أن اعتمدت الدول الخليجية طوال الفترة الماضية على سياسة الاحتواء وامتصاص الصدمات الصادرة من جارة السوء.

والواقع، أن ما طرحته النخب السياسية والثقافية الخليجية يعكس ذات المستوى من القلق الذي يشعر به كثير من أبناء الخليج بعد الإعلان عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. فالمصير بات أكثر غموضاً، والتحديات الأمنية الإقليمية ازدادت تعقيداً، في ظل غياب رؤية واضحة للأزمة أو حلول مقنعة ومطمئنة.