سنوات طويلة وكلٌ منا يرتقي سلماً للوصول إلى القمة، وكثير منا عندما يبلغها – بالحصول على ترقية طاردها عشر سنوات، أو بيتا لطالما حلم به فاشتراه، أو جائزة خطط لها طويلاً وأخيراً حصل عليها ـ يراوده شعور باهت، وصمت يلوح بعده سؤال يقول: ثم ماذا؟ وهل يستحق هذا كل ما مضى؟

هذا الصمت الذي يعقب الانتصار ليس خللاً وعيباً في صاحبه، بل إشارة لابد من الانتباه لها، وقد صورها الكاتب ستيفن كوفي في مشهد مؤلم، حين شبّه النجاح بصعود سلم، ثم سأل: «ما قيمة أن تتسلقه بسرعةٍ وبراعة، إن كان مسنداً إلى الجدار الخطأ؟ فكل درجة تقطعها حينئذ لا تقربك من حلمك، بل تسرع بك نحو المكان الذي لم ترده قط».

ما يجعلنا نفكر في كلامه أن كثيراً منا لم يضع السلم على الجدار بنفسه، فكثير من أحلامنا هي ليست أحلامنا في الأساس، فهي بين أمنيات أب لم يحققها وأراد من ابنه تحقيقها، أو في أحيان كثيرة عبارة عن تطلعات تفرضها بيئة تقيس الإنسان بوظيفته أو بما بقدر ما يملكه من مال، أو في أحيان تكون عبارة عن صورة نسجها غيرنا عنا، فصدقناها وبدأنا نسعى لاستكمالها، نختار تخصصات دراسية لأنها مضمونة النجاح، أو وظائف لأنها محترمة اجتماعياً، أو مسار لا نعرف شيئاً عنه، لكن الجميع يسلكه، لنبدأ بوضع أرجلنا على أول درجات السلم، وما أن نقضي ربع قرن من الزمن نرتقي الدرجات واحدة تلو الأخرى، ونتقن الصعود، نتفاجأ بأننا نصعد في اتجاه لم يكن اتجاهنا، ولأن كلفة الصعود كانت باهظة، نتشبث بالسلم – مع علمنا أننا نصعد به إلى غير اتجاهنا – لكننا بذلنا العمر والتضحيات فيه، وبذلك وبسبب تكلفة الصعود الغالية، لا يمكننا أن نعترف أن بداية الطريق كانت خاطئة، فعلماء النفس يسمون هذه الحالة بـ «مغالطة التكلفة الغارقة»، أي لابد أن نكمل السير في الطريق الخطأ لمجرد أننا قطعنا فيه شوطاً، وبذلك نضيف خسارة إلى الخسارة، ونعتقد أن الثبات على الطريق شجاعة وهو في حقيقته خوف من إعادة الحساب والتراجع.

الأفضل من هذا الحال، لو يقف كل منا مع نفسه وقفة ويسأل نفسه سؤالاً واحداً: «ماذا لو كنت أصعد السلم الخطأ؟» قد يبدو أنه سؤال خطر لأننا قد نكتشف أن الإجابة هي «نعم» لكن في حقيقة الأمر هو أصدق وأهم سؤال، وحتى لو كانت الإجابة نعم، وتسببت في ترك السلم والبحث عن السلم المناسب، فإننا لن نلغي ما أنجزناه سابقاً، لأننا عندما صعدنا في أول سلم اكتسبنا مهارة الصعود، وهي مهارة لم تكن لدينا سابقاً ويمكننا استخدامها الآن لصعود سلم آخر، ومن يطرح على نفسه هذا السؤال وهو في الأربعين من عمره، هو أفضل ممن يطرحه في الخمسين، ومن يطرحه في الخمسين هو أوفر حظاً ممن يطرحه في السبعين حين لا يبقى المزيد من الوقت.

عندما يداهمك ذلك السؤال الثقيل في بداية الصباح أو منتصف الليل، لا تطرده، بل اجلس معه، فهو ليس مصدر تهديد، بل دليل أمين جاء متأخراً لينقذ ما تبقى، فالإجابة مهما كانت مؤلمة، ستكون أقل ألماً بكثير من ألم وصولك إلى القمة فتكتشف أنها القمة الخطأ.