ليست الاعتداءات الإيرانية الغاشمة والمتكررة على مملكة البحرين وشقيقاتها في دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، وما صاحبها من تهديد لحرية الملاحة في مضيق هرمز، سوى فصل جديد من سلوك قديم لنظام لم يتصالح يوماً مع منطق الدولة، ولا مع قواعد الجوار، ولا مع التزاماته أمام القانون الدولي. إنها نتيجة متوقعة لعقلية تمارس منطق العصابة حين تُصدّر أزماتها إلى الخارج، وتحول أمن المنطقة إلى ساحة ضغط، وتتعامل مع الاتفاقات والتعهدات بوصفها فرصاً للمناورة لا التزاماً واجب الاحترام.
ومن هذا السلوك تحديداً تتكشف خطورة المرحلة؛ فالمشكلة لا تقف عند حدود الاعتداءات، على جسامتها، وما تمثله من استهداف للأعيان المدنية والمنشآت الحيوية وتهديد لأمن المواطنين والمقيمين وسلامة الملاحة، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق: غياب الثقة في أي تعهد يصدر عن هذا النظام. فقيمة الاتفاق تُقاس بما يحمله من التزامات قابلة للتنفيذ وضمانات ملزمة؛ فأي تسوية تفتقر إلى ذلك، لا تفتح باب السلام بقدر ما تعيد إنتاج الخطر بعبارات دبلوماسية مراوغة.
وتزداد خطورة هذا الغياب حين يقترن بسجل طويل من المراوغة؛ فكلما ضاق الموقف بالنظام الإيراني، لجأ إلى صناعة الذرائع لتبرير عدوانه، فتارة يتذرع بوجود قواعد أو ترتيبات أمنية في المنطقة، وكأن ذلك يبيح له استباحة سيادة الدول أو تحويل الجوار إلى ساحة لتصفية حساباته، وتارة يحمّل المسؤولية لقوى داخلية أو أجنحة متشددة. غير أن الأقرب إلى الواقع أن هذه الأجنحة ليست سوى توزيع أدوار داخل النظام؛ أصوات متعددة لسياسة واحدة، وواجهات مختلفة لمشروع عدواني تحكمه العقلية ذاتها.
ولا تقف المسألة عند حدود الالتفاف على الالتزامات؛ فهذا السلوك يعكس بنية سياسية صاغتها أيديولوجية ثورية متطرفة ترى في التوتر مصدراً للنفوذ، وفي الفوضى مجالاً للحركة. لذلك لا يمكن قراءة هذه الاعتداءات بوصفها حوادث منفصلة؛ فهي امتداد لنهج قديم لازم النظام الإيراني منذ قيامه على هذه العقيدة، عبر محاولات زعزعة استقرار دول الخليج العربي والدول العربية، ومدّ النفوذ خارج الحدود، وتحريك الأذرع لضرب مصالح الأوطان من داخلها. وانطلاقاً من هذه الخلفية العدوانية، لا يتعامل هذا النظام مع دول الخليج العربي وفق منطق الدولة واحترام السيادة، بل وفق منطق النفوذ والاختراق؛ فيراها مساحات ضغط وأوراق تفاوض في صراعات لا تعنيها.
وانسجاماً مع ما أكده بيان مجلس الوزراء هذا الأسبوع، فإن أي مصالحة أو تهدئة لا تبدأ من وقف العدوان، ولا تمر عبر محاسبة المسؤولين عنه، ولا تنتهي بضمانات تمنع تكراره، ستبقى تسوية ناقصة. فهذه الاعتداءات لا تمثل انتهاكاً لسيادة الدول فحسب، بل مخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2817 لسنة 2026، ونكثاً للتعهدات التي قطعها النظام الإيراني بموجب مذكرة تفاهم إسلام آباد.
وعلى ضوء ذلك، لم يعد المطلوب موقفاً إقليمياً فحسب، بل تحركاً دولياً جاداً يصون القانون الدولي، ويحمي حرية الملاحة، ويمنع تحويل الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات ابتزاز. كما لم يعد الخليج العربي معنياً بانتظار تفاهمات تُصاغ على مقاس الآخرين، ولا بقبول أن يكون أمنه بنداً مؤجلاً في اتفاقات لا يكون شريكاً كاملاً في صياغتها وضماناتها. لقد بدأت مرحلة عنوانها موقف خليجي موحد، ورؤية واضحة، وقوة ردع مشتركة تحمي سيادة دول مجلس التعاون الخليجي، وتجعل أي مساس بها مغامرة خاسرة في حسابات المعتدي.
وختاماً، فإن هذه الاعتداءات لن تنال من عزيمة البحرين ولا من ثبات شعبها، ولن تغيّر من حقيقة أن المملكة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبالتفاف شعبها حول قيادتها ومؤسساتها، ستظل ثابتة في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، متمسكة بحقها المشروع الذي كفله القانون الدولي، ومتضامنة مع الدول الشقيقة، وداعمة لكل ما يحفظ أمنها وسيادتها واستقرارها. حفظ الله البحرين وقيادتها وشعبها ورجالها البواسل، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.