فمع ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي للعرس، يبدأ يوم الإِجرة.

تُشعل النار تحت القدور الكبيرة، ويُلقى الحطب وسعف النخيل في المواقد. وسرعان ما يرتفع الدخان فوق البيوت، حاملاً معه رائحةً لا تشبه أي رائحة أخرى.

كانت رائحة الحطب المشتعل تمتزج برائحة اللحم والبهارات والعيش، فتملأ الأزقة والطرقات. وما إن تتسلل إلى البيوت حتى يعرف الجميع أن قدور الإِجرة بدأت تغلي.

وكان أهل الفريج يترقبون تلك الرائحة كما يترقبون بشارةً جميلة. فالدخان المتصاعد لم يكن مجرد دخان، بل إعلانًا بأن الإِجرة، أو وليمة المحبة أوشكت أن تكتمل.

وحين ينضج الطعام، يجتمع الرجال في المجلس فيتناولون الغداء مع أهل العرس في المجلس أو في البيت، وتظل الحركة مستمرة حتى تمتلئ البيوت برائحة العيش واللحم وتمتلئ القلوب بالرضا.

وتُرسل القدور إلى أهل العروس، بينما تُملأ الصحون والأواني ويُبعث بها إلى البيوت. وكان لكل بيت نصيب، مهما كان بسيطاً.

وربما لم تكن الكمية كبيرة دائماً، لكنها كانت تحمل طعماً خاصاً لا يُشبه أي طعام آخر. طعم الحطب، وطعم الجيرة، وطعم الأيدي التي تعاونت لأيامٍ طويلة حتى خرجت تلك الوليمة إلى الناس.

وكان أهل الفريج يترقبون وصول نصيبهم من الإِجرة بمحبة، لأن لقمة الإِجرة كانت تحمل معها شيئاً من فرحة العرس نفسها.

وبعد انتهاء الإِجرة وتميل الشمس نحو العصر، تبدأ «الفرقة» بالغناء. فالفرقة الغنائية التي أحيت الليلة السابقة عادة ما ينام أفرادها في بيت العروس إذا كانوا يأتون من أماكن بعيدة.

وهنا تظهر العروس بصورة مختلفة تماماً.

ترتدي ثوب النشل المطرز بخيوط الزري الذهبية والفولك اللامع. قد يكون أحمر قانياً، أو وردياً زاهياً، أو أخضر أو بنفسجياً، فتبدو كأنها قطعة من الفرح.

وتجلس على كرسيها وقد ازدانت بالذهب، فتنعكس الأضواء على خيوط النشل البراقة، فتزداد إشراقاً وجمالاً.

وكثيراً ما كانت العروس في تلك الأمسية أجمل من ليلة الزفاف نفسها؛ فالألوان كثيرة ومبهجة، والنشل بألوانه الزاهية يمنح المكان بهجة خاصة لا ينساها أحد.

وتعود الأغاني والزغاريد والتصفيق، وتدور النساء حول العروس في مشهدٍ يفيض بالحياة، حتى المغرب، بينما يجلس الأطفال مأخوذين بالألوان والأصوات والضحكات، يحفظونها في ذاكرتهم دون أن يعلموا أنهم سيعودون إليها بعد عقود طويلة بحنينٍ لا ينتهي.

واليوم، حين نتذكر الإِجرة، لا نتذكر الطعام وحده، ولا القدور، ولا الدخان المتصاعد من الحطب، ولا أثواب النشل الملونة.

نتذكر زمناً كانت فيه البيوت متجاورة والقلوب أكثر تقارباً. زمناً كانت فيه فرحة بيتٍ واحد تكفي لتجمع الفريج كله، فيعمل الجميع، ويفرح الجميع، ويشعر الجميع أن لهم نصيباً من تلك السعادة.

وهكذا كانت الإِجرة...

ليست مجرد وليمةٍ بعد الزواج، بل حكاية مجتمعٍ كامل، كانت المحبة فيه تُنقّى كما يُنقّى الأرز، وتُشعل كما يُشعل الحطب، ثم تُوزَّع على البيوت كما يُوزَّع الطعام