في كل ثانية تتدفق آلاف عمليات الشراء عبر الإنترنت، وفي كل دقيقة يولد متجر إلكتروني جديد، بينما تتطور أساليب الاحتيال الإلكتروني بوتيرة أسرع من تطور وعي المستخدمين، ولم تعد الجريمة الإلكترونية مجرد مواقع مزيفة أو رسائل مضللة، بل أصبحت صناعة عالمية توظف الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والهويات الرقمية الوهمية، لتصنع واقعاً يبدو حقيقياً إلى درجة يصعب معها التفريق بين الحقيقة والخداع. وتكشف الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ تجاوزت خسائر الاحتيال المرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي مليارات الدولارات سنوياً، فيما تؤكد تقارير الشرطة الجنائية الدولية أن الاحتيال المالي الإلكتروني أصبح من أسرع الجرائم نمواً في العالم، لكن قراءة هذه الأرقام من زاوية الخسائر المالية وحدها تبقى قراءة ناقصة، لأن ما يُسرق اليوم ليس المال فقط، بل الثقة أيضاً.
فالاقتصاد الرقمي، مهما بلغت قوته التقنية، يقوم على قاعدة واحدة لا تُشترى ولا تُباع، هي الثقة، وعندما يضغط شخص على زر الدفع، فإنه لا يحول مبلغاً مالياً فحسب، بل يمنح الطرف الآخر قدراً من الثقة، وإذا أصبحت هذه الثقة عرضة للاستغلال، فإن الخسارة تتجاوز قيمة العربون لتصيب أساس العلاقة بين الإنسان والمنصة الرقمية، وبين المستهلك والسوق، وبين المجتمع ومشروع التحول الرقمي بأكمله.
ومن هذا المنطلق، جاء تحذير وزارة الداخلية من دفع العربونات إلى الحسابات المجهولة في توقيت بالغ الأهمية، فالرسالة لا تتعلق بجريمة احتيال عابرة، وإنما تمثل دفاعاً عن الثقة العامة في البيئة الرقمية، لأن تكرار هذه الجرائم يخلق مجتمعاً متردداً، يخشى التجارة الإلكترونية حتى مع المتاجر الموثوقة، ويضعف مناخ الاستثمار الرقمي الذي تراهن عليه الدول في مستقبل اقتصاداتها.
ولم يعد المحتال يعتمد على الكذب المباشر، بل أصبح يصنع الحقيقة نفسها؛ متجر أنيق، وصور احترافية، وتعليقات تبدو طبيعية، ومقاطع فيديو يصنعها الذكاء الاصطناعي، بل وأصوات يصعب تمييزها عن أصحابها الحقيقيين، وهنا تنتقل الجريمة من تزوير المستندات إلى تزوير الواقع، ليصبح السؤال في العصر الرقمي: هل ما أراه حقيقي، أم أنه صُمم خصيصاً لإقناعي؟
وفي المقابل، فإن الصورة ليست أحادية الاتجاه؛ فكما توجد متاجر وهمية، هناك أيضاً طلبات شراء وهمية، وعمليات استغلال للمتاجر النظامية، وامتناع عن السداد، وبيانات مزورة، بما يؤكد أن أزمة الثقة أصبحت متبادلة بين أطراف السوق الرقمية، ولهذا فإن بناء اقتصاد رقمي مستدام لا يتحقق بحماية المستهلك وحده، بل بحماية المنظومة بأكملها.
وهنا تتقاطع مسؤوليات الدولة والمجتمع، فالتوعية لم تعد حملة موسمية، بل جزء من الأمن الوطني، والتشريع لم يعد وسيلة للعقاب فقط، بل أداة لحماية الثقة، بينما أصبح توظيف الذكاء الاصطناعي في كشف الحسابات الاحتيالية ضرورة توازي استخدام المحتالين له في تطوير أساليبهم، كما أن الشريعة الإسلامية، التي حرّمت أكل أموال الناس بالباطل، تقدّم أساساً أخلاقياً راسخاً يؤكد أن الثقة في المعاملات قيمة قبل أن تكون إجراءً قانونياً.
ويبقى الإنسان هو الحلقة الحاسمة، فكل عملية تُحقَّق قبل الدفع هي مساهمة في حماية الاقتصاد الرقمي، وكل تردد في تحويل الأموال إلى حساب مجهول هو انتصار للوعي على الخداع، وفي زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يصنع صورة وصوتاً وقصة تبدو كاملة، تصبح القدرة على التحقق أهم مهارة رقمية في المستقبل.
إن المعركة الحقيقية ليست بين المحتال والضحية، بل بين وعي المجتمع وسرعة الجريمة، ولذلك، فإن الاستثمار الأكبر في المرحلة المقبلة لن يكون في التطبيقات والمنصات وحدها، وإنما في بناء ثقافة رقمية تجعل الثقة قراراً واعياً لا استجابة عاطفية، فالعربون الذي نفقده قد يُعوَّض، أما الثقة إذا انهارت، فإن كلفتها على المجتمع والاقتصاد ستكون أكبر بكثير من أي مبلغ يُسرق.
* إعلامية وباحثة أكاديمية