من بين مختلف اللقاءات الإعلامية التي أجريتها، هناك لقاءات تبقى محفورة في الذاكرة، لأنها تلامس وتراً عميقاً في ذات المرء. لقائي مع ريان محمد حافظ، نجل شهيد الواجب محمد حافظ يونس، كان واحداً من تلك اللقاءات التي خرجت منها وأنا أحمل في قلبي مزيجاً من الفخر والاعتزاز، بفتى في مقتبل عمره يحمل على كتفيه إرثاً ومسؤولية كبيرة، ويسير بكل جدارة وثبات.

قبل أكثر من عشر سنوات، وتحديداً في الرابع من سبتمبر 2015، ارتقى الرقيب محمد حافظ يونس شهيداً، إلى جانب أربعة من رفاقه من رجال قوة دفاع البحرين، إلى جانب جمع من أشقائهم من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن مشاركة مملكة البحرين في قوات التحالف العربي. كانت تلك لحظة فارقة تركت أثراً عميقاً في وجدان كل بحريني، كما أحيت في النفوس مشاعر الإجلال تجاه شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم في سبيل أداء واجبهم الوطني المقدس.

وخلال حديثي مع النجل الأكبر لشهيد الواجب، ريان، تحدث بشغف عن تكريمه في ختام معسكر «قدها جونيورز» التدريبي للناشئة، وفوزه بميدالية التميز في الرماية، إذ لم يكن حديثه عن إنجاز رياضي عابر، بل عن لحظة التقى فيها بمن استقبلوا جثمان والده الشهيد قبل عقد من الزمن، وكانوا رفاق السلاح قبل ذلك، ليحتضنوا ريان اليوم بعد إنجازه، بمشاعر وصفها بالأبوية الصادقة. وحين أخبرني عن كلمات سمو العميد الركن الشيخ خالد بن حمد آل خليفة قائد العمليات الخاصة بالحرس الملكي الذي قال له: «نريدك في الحرس الملكي»، أدركت بأنني أمام أكثر من مجرد جملة تشجيعية؛ كنت أمام تجسيد حي لمعنى رعاية القيادة الرشيدة لأسر الشهداء، رعاية لا تقتصر على الدعم المعنوي العابر، بل تمتد لتشمل احتضان الأبناء وفتح الأبواب أمامهم ليكملوا مسيرة آبائهم في ميادين العز والذود عن الوطن.

وما زاد اعتزازي بريان، إلى جانب إنجازه المشرّف، هو شخصيته ذاتها. فتى بعمر صغير، لكنه يتحدث بطلاقة ووضوح يفوقان سنّه، بثقة وقوة في العبارة تكشفان عن نضج مبكّر صقلته تجربة الحياة ومسؤولية حمل اسم والده. لم يتردّد لحظة وهو يُجيب عن أسئلتي، ولم تكن في حديثه أيُّ مسحة من التردد أو الحرج، بل كان واثقاً من نفسه، مدركاً لحجم المسؤولية التي وضعها على عاتقه اسم والده الشهيد.

وحين تحدّث عن والدته، بدا الحب والبرّ جليين في كل كلمة، فهو يرى فيها الداعم الأول والسند الحقيقي، ويحمل على عاتقه، بوصفه الابن الأكبر، مسؤولية أن يردّ لها جزءاً من تضحياتها، وأن يجعلها فخورة به في كل خطوة يخطوها، فهي من تحمّلت المسؤولية كاملة بعد وفاة والده، وكانت السند والداعم له ولأخيه خالد، في كل خطوة.

إنّ قصة ريان محمد حافظ ليست قصة فتى واحد فحسب، بل هي مرآة تعكس قصص العشرات من أبناء وبنات شهداء الواجب في مملكة البحرين، الذين يحملون إرث آبائهم بكل اعتزاز، ويجدون في احتضان القيادة الرشيدة لهم دافعاً لمواصلة العطاء وتحقيق الإنجازات، وهي أيضاً تذكير دائم بأن الفخر والاعتزاز بشهداء الوطن ليس شعوراً يُستحضر في المناسبات الوطنية، بل قيمة راسخة يجب أن تبقى حاضرة باستمرار في وجدان كل بحريني، وفاءً لأرواح طاهرة بذلت نفسها من أجل أمن هذا الوطن واستقراره، ورعاية دائمة لأبنائهم الذين هم اليوم امتداد لهذه التضحيات، وأمل الغد الذي يستحق كل دعم وتشجيع، فحين يكبر ريان، وحين يلتحق بالحرس الملكي كما يحلم، سيكون قد واصل مسيرة والده في حمل الأمانة، بعزيمة لا تلين.

وفي هذا المقام، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يضطلع به الصندوق الملكي لشهداء الواجب، بوصفه المؤسسة التي تجسّد وفاء الوطن لأبنائه الذين قدّموا أرواحهم في سبيله. فهذا الصندوق هو ذراع رعاية شاملة تحرص على متابعة أُسر الشهداء من كافة الجوانب، وتؤكد للأبناء أن وطنهم لا ينسى تضحيات آبائهم، وأن الدولة بكل مؤسساتها تقف إلى جانبهم في كل محطة من محطات حياتهم. هذا الحضور المستمر هو ما يمنح أُسر الشهداء الطمأنينة بأن تضحيات مَن سالت دماؤهم العطرة، هي في وجدان الجميع، مهما طال الزمن.