المحرق إنها مدينة الآباء والأجداد.. حين يعود بنا التاريخ إلى الواجهة في المحرق، إنه لا تمر من بوابةٍ إلا وتشعر أنك تعبر من زمن إلى زمن، ولا تسير في أحد الفرجان إلا وتستوقفك حكاية من حكايات البحرين.

فهي المدينة التي اختزنت في بيوتها وأبوابها وأسواقها وفرجانها صفحاتٍ مضيئة من تاريخ الوطن، وظلت شاهدة على مراحل مهمة من مسيرة البحرين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ومن هنا تأتي البوابة الجديدة لمدخل قصر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها، (الشيخ عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله وطيب الله ثراه) بالمحرق لتمنح المكان حضوراً، ولتكون أكثر من مجرد معلم معماري أو مدخل إلى أحد أهم المعالم التاريخية، إنها صورة رمزية لعودة التاريخ إلى الواجهة، وتجديد الصلة بين حاضر البحرين وماضيها العريق.

- المحرق.. مدينة البوابات والأسوار:

عرفت المحرق في مراحلها التاريخية القديمة الأسوار والبوابات التي كانت تحيط بالمدينة، وتنظم مداخلها ومخارجها، وكانت تلك البوابات جزءاً من منظومة الحياة في ذلك الزمن، تحمل في شكلها ووظيفتها ملامح مدينة لها خصوصيتها ومكانتها.

وكانت البوابات في أي مدينة قديمة تعني بالحماية، وتنظيم الحركة، وتحديد حدود المكان، لكنها في الوقت نفسه كانت تحمل قيمة اجتماعية ورمزية، فهي نقطة العبور التي يدخل منها الناس إلى المدينة ويغادرونها، ولذلك بقيت صورتها حاضرة في الذاكرة الشعبية.

ومع ظهور البوابة الجديدة، يبدو المشهد وكأنه يستعيد شيئاً من تلك الذاكرة القديمة، ولكن بروح جديدة تتناسب مع متطلبات الحاضر.

قصر المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها، (الشيخ عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله وطيب الله ثراه) شاهد على تاريخ البحرين، ويقف على مرحلة مهمة من تاريخ البحرين، بما يتميز به من طراز معماري تراثي وما يحمله من قيمة تاريخية ووطنية.

ومن الطبيعي أن تكون العناية بهذا المعلم وبمحيطه جزءاً من المحافظة على ذاكرة المحرق، فالمباني التاريخية لا تكتسب قيمتها من حجارتها وحدها، وإنما من القصص والأحداث والشخصيات والأجيال التي ارتبطت بها.

ومن هنا، فإن البوابة الجديدة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إبراز المكان وإعطائه واجهة تليق بمكانته، خصوصاً إذا جاءت منسجمة مع الطابع المعماري والتراثي للمنطقة، لتصبح جزءاً من المشهد التاريخي بدلاً من أن تكون عنصراً منفصلاً عنه.

عندما يصبح العمران رسالة، فهذا ما تفعله المدن التاريخية هو أن تجعل عمارتها تتحدث.

فالباب يتحدث، والجدار يتحدث، والنقوش تتحدث، والطرق تتحدث، وكل تفصيل صغير يمكن أن يكون وسيلة لتعريف الأجيال بتاريخ وطنها.

ولهذا فإن الاهتمام بالبوابة الجديدة ليس اهتماماً بالمظهر فقط، بل يمكن أن يتحول إلى رسالة ثقافية ووطنية، رسالة تقول لأبناء البحرين وزوارها إن المحافظة على التراث ليست عودة إلى الماضي، وإنما هي حفاظ على الجذور التي ننطلق منها نحو المستقبل.

فالمدينة التي تهدم ذاكرتها تفقد جزءاً من شخصيتها، أما المدينة التي تحافظ على تراثها وتعيد تقديمه بصورة حديثة، فإنها تمنح الأجيال فرصة لكي ترى الماضي بعين الحاضر.

فالمحرق ذاكرة وطن، ليست مجموعة من المباني القديمة، وإنما ذاكرة وطنية حية.

فيها ارتبطت حياة البحرينيين بالبحر والغوص والتجارة والأسواق، ومنها خرجت شخصيات وأحداث ومحطات تركت بصماتها في تاريخ المملكة.

ولذلك فإن الحفاظ على المناطق التاريخية في المحرق وإبراز معالمها وإعادة تقديمها للزوار يمثل استثماراً في الثقافة والهوية الوطنية.

ومن الجميل أن تتحول هذه المنطقة إلى مكان تاريخي متكامل، يجد فيه الزائر القصر والبيت والسوق والفريج والبوابة، ويرى من خلالها صورة أقرب إلى الحياة التي عاشها أهل المحرق في الماضي.

وهنا يأتي دور الإعلام والثقافة والتعليم في تعريف الأجيال الجديدة بهذه الأماكن، حتى لا تبقى معالم التاريخ مجرد صور قديمة، وإنما تصبح جزءاً من الوعي الوطني.

البوابة في ظاهرها حجراً وبناءً وتصميماً، ولكن في عمقها يمكن أن تحمل رسالة كبيرة. إنها تقول إن المحرق قادرة على أن تستقبل المستقبل من دون أن تتخلى عن ماضيها، وأن التطوير لا يعني محو الذاكرة، بل يمكن أن يكون وسيلة لإحيائها.

ومن الجميل أن تكون هناك بوابة جديدة تذكرنا بالبوابات التي عرفتها المحرق قديماً، وتفتح للزائر طريقاً نحو أحد أبرز معالمها التاريخية.

إنها، في معناها الرمزي، بوابة بين زمنين، زمن الأجداد الذين بنوا وعمروا وحافظوا على مدينتهم، وزمن الأبناء والأحفاد الذين تقع عليهم مسؤولية مواصلة البناء والمحافظة على الإرث.

حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها الوفي من كل شر ومكروه، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان.

* محلل سياسي وخبير استراتيجي