جعفر.. راشد.. حسن.. ثلاثة أسماء لاتزال عالقة في ذاكرة أهل البحرين رغم مرور السنوات، وبالتأكيد لم تغب صورهم لحظة واحدة عن ذاكرة آباء وأمهات فقدوا فلذات أكبادهم في حوادث كان عنوانها المؤلم واحدًا؛ نسيان طفل داخل حافلة.

ثلاثة أطفال في عمر الزهور، لم تُكتب لهم النجاة بعدما أُغلقت أبواب الحافلات عليهم، وتُركوا في الداخل يواجهون لحظات يصعب علينا حتى تخيلها.

كانت كل حادثة كفيلة بأن تجعلنا نقرر وبحزم؛ لن يحدث هذا مرة أخرى، وجاءت بعدها الإجراءات والاشتراطات والتحذيرات، وتكررت الدعوات إلى تشديد الرقابة وتحمّل المسؤولية، لكن يبدو أن كلمة واحدة لاتزال قادرة على إعادة المشهد من جديد «نسينا».

ومؤخراً، أعادت واقعة نسيان طفلة داخل حافلة نقل خاصة السؤال ذاته إلى الواجهة، لكن هذه المرة كشفت تحقيقات النيابة العامة عن تفاصيل تستحق أن نتوقف عندها، فالحافلة لم تكن تابعة للروضة، وسائقها لا يحمل الترخيص اللازم لنقل الأطفال، وما تسمّى بـ»المشرفة» لم تكن مشرفة معتمدة، وإنما تعمل بصورة خاصة مع السائق.

والأكثر أهمية أن التعاقد مع السائق تم مباشرة من ولي الأمر، من دون التحقق من التراخيص اللازمة، رغم التحذيرات والتعليمات المتكررة الصادرة عن الجهات المختصة.

وهنا تصبح القضية أكبر من واقعة نسيان طفلة داخل حافلة، وأكبر من البحث عن شخص واحد نحمّله المسؤولية، إنها تُعيد أمامنا سؤالاً يُفترض أننا أجبنا عنه منذ سنوات؛ مَن المسؤول عن الطفل منذ اللحظة التي يغادر فيها باب منزله وحتى يدخل باب مدرسته أو روضته؟

وهذه الحادثة، لحُسن الحظ، لم تنتهِ بمأساة جديدة، ومن الواجب ألا تحتاج لمأساة رابعة حتى نتعلم الدرس.

حين يتعلق الأمر بأطفالنا، لا يجوز أن تكون الثقة بديلاً عن التحقّق، ليس كافياً أن نعرف السائق، أو أن يكون قد أوصل أطفالاً آخرين، أو أن يكون السعر مناسباً.

السؤال الذي يجب أن نطرحه؛ هل السائق مرخّص أصلاً لنقل الأطفال؟ وهل المركبة مستوفية للاشتراطات؟ وهل يوجد مُرافق مؤهّل ومسؤول عن الأطفال؟

هذه ليست تفاصيل يمكن تجاوزها، وإنما حلقات أمان وُضعت لسبب واحد، لأن خطأً صغيراً أو لحظة إهمال واحدة قد تكون كُلفتها حياة طفل.

جعفر وراشد وحسن لم يكونوا مجرّد أخبار، كانوا أطفالاً خرجوا من بيوتهم كما يخرج آلاف الأطفال كل صباح، وكان أهلهم ينتظرون عودتهم كما ننتظر نحن أبناءنا، لكنهم لم يعودوا.

قد ننسى هاتفاً، أو موعداً، أو حقيبة، فهذه أشياء يمكن أن نعتذر عنها ونستدركها، أما الطفل فلا يجوز أن يكون يوماً ضمن قائمة الأشياء التي ننساها.