كثيراً ما نسمع في البحرين خلال أيام الصيف الحارة والرطبة من يقول «جو اليوم يخرّب المزاج» أو «الجو اليوم غيّر مزاجي»، وكلنا نلاحظ أن مع اعتدال الطقس نشعر برغبة أكبر في الجلوس مع الأهل والزملاء في الأماكن المكشوفة، ويتخللها الحديث المؤنس والأعصاب الهادئة، والرغبة في المشي والخروج والجلوس قرب البحر.
فهل هي مجرد مشاعر وانطباعات، أم أن للطقس تأثيراً حقيقياً في الدماغ والمزاج؟ وعلمياً، الطقس لا «يصنع» مزاج الإنسان ولا يحدّد حالته النفسية، لكنه يمثل عاملاً بيئياً يمكن أن يؤثر في تنظيم حرارة الجسم، والنوم، والساعة البيولوجية، والنشاط البدني، والتركيز والإجهاد الفسيولوجي؛ ومن خلال هذه المسارات قد يتأثر المزاج.
لقد تمّت مراجعة تحليلية لحوالي 88 دراسة وتَبيّن منها وجود ارتباط قوي بين موجات الحر والحرارة القصوى وارتفاع بعض مؤشرات الاضطرابات النفسية والسلوكية.
كما تؤكد مراجعة متخصّصة بالنوم أن الحرارة المرتفعة ترتبط عموماً بتراجع جودة ومدة النوم. كما توضح الأبحاث الحديثة أن المسارات المحتملة تشمل التنظيم الحراري والجفاف واستجابة الجسم للإجهاد واضطراب النوم والإيقاع اليومي، مع اختلاف التأثير بدرجة كبيرة بين الأفراد.
- الحرارة والرطوبة.. ماذا يحدث للجسم؟
يحافظ جسم الإنسان على درجة حرارته الداخلية ضمن نطاق ضيق. وعندما ترتفع حرارة الجو، يزيد تدفق الدم إلى الجلد ويبدأ الجسم بالتعرّق للتخلص من الحرارة الزائدة، لكن هناك حقيقة فيزيائية مهمة وهي أن العرق نفسه لا يُبرّد الجسم؛ إنما تَبَخُّر العرق هو الذي يسحب الحرارة من الجلد، ويمكن التعبير عن الطاقة الحرارية المفقودة بالتَبَخُّر بصورة مبسطة بالعلاقة Q = mL حيث تمثل m كتلة الماء المتبخر، وL الحرارة الكامنة للتبخُّر.
وهنا تدخل الرطوبة العالية، وهي من السِّمات المهمة لصيف البحرين، خصوصاً في أغسطس وسبتمبر؛ فعندما يكون الهواء غنياً ببخار الماء، تقلّ قدرة العرق على التبخُّر، وبالتالي تنخفض كفاءة تبريد الجسم.
ولهذا قد يكون يوم رطب أكثر إرهاقاً من يوم جاف له درجة الحرارة نفسها. لذا، عندما يشير مقياس الحرارة إلى 35 أو 38 درجة مئوية، فهذا لا يخبرنا بالقصة كاملة؛ فالرطوبة والرياح والإشعاع الشمسي تُحدّد أيضاً مقدار الإجهاد الحراري الذي يشعر به الإنسان.
عندما يبذل الجسم جهداً مستمراً للتخلص من الحرارة، يزداد العِبء الفسيولوجي، وقد يشعر الإنسان بالتعب وعدم الراحة وانخفاض القدرة على التركيز. وتشير الدراسات العلمية إلى ارتباط الحرارة الشديدة بزيادة بعض مؤشرات الضيق النفسي والسلوكي، لكن التأثير يختلف بين الأشخاص ولا يعني أن الحرارة وحدها تسبّب اضطراباً نفسياً.
- المزاج قد يضطرب في الليل أكثر من النهار في سبتمبر:
من أكثر المسارات إثارة للاهتمام العلاقة بين الحرارة والنوم؛ فالجسم يحتاج إلى التخلص من جزء من حرارته استعداداً للنوم. وإذا بقي الليل حاراً ورطباً، تصبح هذه العملية أصعب، وقد تتأثر جودة النوم ومدته، وهنا قد تكمن خصوصية البحرين والخليج: فالمشكلة ليست دائماً في حرارة ظهيرة أغسطس، وإنما قد تكون في الليلة الحارة والرطبة التي سبقتها، فإذا لم يحصل الإنسان على نوم جيد، قد يستيقظ متعباً، أقل تركيزاً وأكثر حساسية للضغوط اليومية، وهكذا يستطيع طقس الليل أن يمتد تأثيره إلى مزاجنا وأدائنا في اليوم التالي.
- لماذا نحب اعتدال الجو؟
عندما تنخفض الحرارة والرطوبة في البحرين، يقل العبء الحراري، وتصبح ممارسة المشي والرياضة والجلوس في الأماكن المفتوحة أكثر راحة، وتزداد فرص النشاط والتواصل الاجتماعي. إذن قد يتحسّن الشعور العام بطريقتين: مباشرةً بانخفاض الإجهاد الحراري وتحسّن ظروف النوم، وبطريقة غير مباشرة لأن الطقس الجميل يشجعنا على الحركة والخروج والتفاعل مع الآخرين.
أما الشمس فلها دور آخر؛ فالضوء الطبيعي يساعد في ضبط الساعة البيولوجية التي تنظّم النوم واليقظة. والمفارقة في البحرين أننا نعيش تحت شمس وفيرة، لكن شدة حرارة الصيف قد تدفعنا إلى قضاء معظم اليوم داخل المباني المكيفة، بعيداً عن الضوء الطبيعي والنشاط الخارجي.
- هل يوجد «مزاج مناخي بحريني»؟
لا نستطيع علمياً الإجابة بعد؛ لأن الدراسات الخاصة بالبحرين محدودة، ولذلك أقترح إنشاء «مؤشر البحرين للمناخ والمزاج Bahrain Climate–Mood Index»، عبر دراسة تستمر عاماً كاملاً تربط يومياً بين درجة الحرارة والرطوبة والحرارة المحسوسة وحرارة الليل، وبين جودة النوم والنشاط والتركيز والتقييم الذاتي للمزاج، وقد نكتشف عندها أن العامل الأكثر ارتباطاً بمزاج المواطن البحريني ليس أعلى حرارة سُجلت ظهراً، بل حرارة الليل، أو الرطوبة، أو النوم الذي فقدناه بسببهما؛ فالطقس لا يتحكّم في مشاعرنا، لكنه يغيّر البيئة التي يعمل فيها الجسم والدماغ.
لذلك عندما يقول البحريني: «الجو اليوم غيّر مزاجي»؛ فقد تحمل عبارته الشعبية البسيطة قدراً من الفيزياء والطب أكثر مما يتصور!
* أستاذ الفيزياء التطبيقي