لا يمكن لأي وطن أن يحقق طموحاته التنموية إلا إذا كانت الكفاءة هي المعيار، والعدالة هي الميزان، والنزاهة هي الأساس. فالأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، وتزدهر بعقول المخلصين، وتتقدم عندما يُمنح كل صاحب قدرة الفرصة التي يستحقها.
وفي مملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وما تحظى به المملكة من دعم ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، تتجسد رؤية واضحة تقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز الكفاءة، وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية، باعتبارها ركائز أساسية لبناء الدولة الحديثة.
إننا كلنا أمل أن يكون هناك اهتمام بالكفاءات الوطنية خاصة في بعض المؤسسات. فحين تُهمَّش الكفاءات، ويُضيَّق على أصحاب الخبرة، وتُستنزف الطاقات في صراعات جانبية، أو تُمارس أساليب الكيد وتتبع الأخطاء والتجسس والإقصاء، فإن الخاسر الأول ليس الفرد، بل المؤسسة، ثم الوطن.
ومن المؤسف أن بعض البيئات الإدارية تخلط بين القيادة والسيطرة، وبين المتابعة والتضييق، وبين التنافس المشروع وإقصاء المتميزين. والأسوأ من ذلك أن يجد أصحاب المصالح الضيقة مساحة للتأثير، بينما يُترك أصحاب الإنجاز الحقيقي بعيدًا عن مواقع الاستفادة من خبراتهم. وهذه الممارسات، مهما كانت محدودة، تُضعف الأداء، وتؤخر الإنجاز، وتفقد المؤسسات أهم عناصر نجاحها، وهو ثقة العاملين فيها.
إن الكفاءة الوطنية ليست منافسًا لأحد، بل هي شريك في البناء. ومن الواجب أن تُصان من التهميش، وأن تُشجع على الإبداع، وأن يُفتح أمامها المجال لتقديم أفضل ما لديها. فالدولة التي أنفقت على تعليم وتأهيل أبنائها تستحق أن تجني ثمار هذا الاستثمار، لا أن ترى خبراتهم معطلة أو مهمشة.
ولذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل مسؤول مؤتمن على موقعه، بأن يجعل العدل أساسًا لقراراته، وأن يربط التقدير بالإنجاز، وأن يحارب الفساد بكل صوره، صغيرها قبل كبيرها، وأن يرفض ثقافة الإقصاء والمحسوبية، لأنها تتعارض مع مصلحة الوطن قبل أن تتعارض مع مصلحة المؤسسة.
إن حماية الكفاءات ليست مطلبًا شخصيًا، بل ضرورة وطنية. ومكافحة الفساد ليست شعارًا إعلاميًا، بل ممارسة إدارية وأخلاقية تبدأ من احترام الأنظمة، والالتزام بالشفافية، وإعلاء قيمة العمل المخلص.
ويبقى الأمل كبيرًا في أن تستمر مؤسساتنا في ترجمة الرؤية الوطنية إلى واقع ملموس، يكون فيه الإنسان الكفء هو عنوان التقدم، ويكون الولاء للوطن والعمل المخلص فوق كل اعتبار، فالأوطان لا تنهض إلا بأبنائها الأكفاء، ولا يحفظ منجزاتها إلا العدل، ولا يضمن مستقبلها إلا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.