تتحول الأراضي غير المستغلة داخل المجمعات السكنية الاستثمارية إلى عائق جوهري أمام كفاءة السوق العقاري في أي دولة، لأنها تجمد مساحات شاسعة كان يفترض أن تساهم في مشروعات التنمية العمرانية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

لكن هناك أثر أعمق لهذه الظاهرة لا يقف عند حدود الاحتكار العقاري التقليدي، بل يمتد ليعيد تشكيل موازين القوى داخل اتحادات الملاك.

ويتجسد هذا الاختلال في صميم آليات التصويت المعتمدة داخل الجمعيات العمومية لهذه المجمعات، حيث تُمنح القوة التصويتية وفق نسبة المساحة المملوكة، لا وفق معيار المشاركة الفعلية في التنمية والاستثمار.

وهكذا تتحول المساحة الشاغرة نفسها، رغم عطالتها، إلى مصدر نفوذ يُمكّن كبار ملاك الأراضي البيضاء من فرض إرادتهم على القرارات، رغم عزوفهم عن استغلالها وتطويرها سنوات، بل عقوداً في كثير من الأحيان.

وذلك يؤدي في النهاية إلى معضلة قانونية عصيّة على الحل في ظل الأطر التنظيمية القائمة، حيث يتم توجيه قرارات الاتحاد بما يخدم مصالح ملاك الأراضي المعطلة، كتعطيل تحسين الخدمات، وفرض رسوم صيانة لا تتناسب مع احتياجات السكان الفعليين، وتتحول الجمعية العمومية من منصة تعبر عن تطلعات الملاك والمستثمرين إلى أداة نفوذ لصالح الكتل التصويتية الوهمية.

ونحن نتأمل من خلال هذه النافذة بعض الخير باقتراب تطبيق قرار فرض رسوم على تلك الأراضي غير المستغلة، باعتباره أداة اقتصادية لإعادة الأمل في اتحادات الملاك التي أصبحت كابوساً لصغار المستثمرين.

قد لا يقتصر أثر قرار فرض الرسوم على تأثيره المالي المباشر، بل يمتد إلى أعمق من ذلك؛ إذ سيعيد تشكيل معادلة التكلفة والمنفعة لدى الملاك.

ونتيجة لذلك، قد تتحول الأراضي التي كانت تُعدّ أصولاً «غير مكلفة» إلى التزامات مالية متكررة، ما قد يدفع الملاك إمّا إلى تطويرها أو إلى التصرف فيها. ويؤدي هذا التسارع في دوران الأصول إلى تفتت الملكيات الكبيرة. وبدلاً من أن تتشكل «كتل» تصويتية استناداً إلى أراضٍ شاغرة، تنشأ أصوات أكثر واقعية تعكس احتياجات القاطنين والمستثمرين التشغيليين، بما يضمن حوكمة أكثر عدلاً وتعبّر عن الملكيات الفعلية داخل المجمع السكني.

من جانب آخر يبحث المستثمر الأجنبي عن بيئة عقارية تتسم بالشفافية والحوكمة، واتحادات ملاك متوازنة، لا تخضع لهيمنة كبار المتنفذين، ولذلك سيمنح القرار رؤوس الأموال الأجنبية الأمان اللازم للمشاركة في السوق، لقناعتهم بأن قرارات إدارة العقار تصدر لمصلحة جودة الاستثمار، لا وفق مصالح فئوية ضيقة.

إن فرض الرسوم على الأراضي الاستثمارية غير المستغلة يمثل المشرط الجراحي لتصحيح التشوه الاقتصادي والتنظيمي، فمن خلال إرغام هذه الأصول غير الفعالة على التحول إلى مشاريع منتجة، تتم إعادة الهيكلة الحقيقية لاتحادات الملاك، لتنتقل من «ديكتاتورية المساحات الفضاء» إلى «ديمقراطية التنمية والإنتاج».

فالهدف ليس معاقبة مالك الأرض، وإنما إعادة الأرض إلى وظيفتها الاقتصادية الطبيعية: إما أن تُطوَّر فتنتج، أو تُنقل إلى من يستطيع تطويرها.

وفي النهاية، فإن إصلاح اتحادات الملاك يبدأ من معالجة جذور الاختلال، وليس فقط من معالجة نتائجه. وحين تصبح تكلفة الاحتفاظ بالأرض البيضاء متناسبة مع المنافع التي قد تترتب على الاحتفاظ بها، فإننا نكون أمام خطوة حقيقية من جمود الملكية إلى حيوية التنمية، ومن ثقل المساحات إلى توازن الحوكمة.

* قبطان - رئيس تحرير صحيفة «ديلي تربيون» الإنجليزية