الخميس الماضي كتبت هنا عن زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، إلى شركة ألمنيوم البحرين «ألبا»، وبالأمس رأينا سموه يزور شركة نفط البحرين «بابكو».
زيارتان هامتان لرئيس الحكومة لمنشأتين صناعيتين كبيرتين، هما من أهم الأعصاب الاقتصادية في البحرين، أعصاب كانت خلال الاعتداءات الإيرانية الآثمة أهدافاً مباشرة، والنية كانت مس قطاعات الطاقة والصناعة التي تمثل جزءاً رئيسياً من قوة اقتصادنا الوطني.
«بابكو» تعرضت لهجمات مسعورة متواصلة. في مارس تعرض مجمع المصفاة لهجوم، وأعلنت الشركة لاحقاً حالة «القوة القاهرة»، مع تأكيدها أن احتياجات السوق المحلية مؤمنة، وفي أبريل تعرض أحد مرافق التخزين لهجوم بطائرة مسيرة أدى إلى اشتعال أحد الخزانات، قبل أن تتم السيطرة على الحريق من فرق الاستجابة بالتعاون مع الدفاع المدني والجهات المختصة.
هذه التفاصيل ربما قرأناها وقتها في الأخبار، وشاهدنا الصور، ثم مضينا في حياتنا. لكن ماذا كان يحدث داخل بابكو في تلك الساعات والأيام؟! هذا هو الجانب الذي لا يراه معظمنا.
هناك بحرينيون كانوا في مواقعهم. كوادر تشغيل، ومهندسون، وفنيون، ورجال أمن وسلامة وإطفاء. وخارج أسوار الشركة كانت هناك أجهزة وزارة الداخلية والدفاع المدني وكل الجهات التي تعاملت مع الموقف. عمل متواصل لحماية المنشأة، وإخماد الحرائق، وحصر الأضرار، وإصلاح ما تضرر، وإعادة الأمور إلى مسارها، والأهم ضمان ألا تتوقف عجلة العمل.
نحن ننام في بيوتنا وهم يسهرون. نذهب إلى أعمالنا وهم يعملون وسط ظروف استثنائية. وقد لا يعرف معظمنا أسماءهم، ولا حجم المسؤولية التي حملوها في تلك الفترة، لكن ما نعرفه اليوم أن هذا الصرح النفطي الذي بدأت عمليات التكرير فيه عام 1936 واصل أداء دوره، وأن أبناء البحرين كانوا في موقع المسؤولية. وزيارة الأمير سلمان الأمس وضعت هؤلاء في المكان الذي يستحقونه، وضعتهم في واجهة المشهد.
هنا تظهر بالنسبة لي دلالة إدارية مهمة في أسلوب الأمير سلمان، أسلوب تعودناه مراراً من «بوعيسى» حفظه الله، كقائد ملهم في الإدارة، وذكي في التعامل القيادي الإنساني.
القائد لا يتفقد المنشآت فقط، بل قبلها يتفقد الناس. ولا يذهب إلى الموقع ليسأل عن الأرقام والأوضاع فقط، بل يلتقي الذين أداروا الأزمة، وتحملوا المسؤولية وعملوا حين كانت الظروف صعبة.
من هنا تكتسب عبارة قالها للعاملين معناها الكبير: «عاجزون عن شكركم».
عبارة قصيرة، لكنها بالنسبة لمن سهر وتعب وعمل تحت الضغط، تعني الكثير. التقدير في الإدارة أمر عظيم، والشكر حين يأتي من القيادة مباشرة إلى كل شخص في موقعه يصبح رسالة بأن ما فعله أمر تشهد له دولته وتشكره عليه.
هذا جانب يتكرر في أسلوب الأمير سلمان؛ الحضور الميداني، والاقتراب من فرق العمل، وربط الإنجاز بالإنسان الذي يقف خلفه. وفكرة «فريق البحرين» التي ارتبطت بخطابه الإداري طوال سنوات تجد معناها الحقيقي في مثل هذه الظروف. الفريق الحقيقي يظهر حين تتعرض البلاد لاختبار، وحين يكون كل شخص مطالباً بأن يؤدي دوره من موقعه.
يزور الأمير سلمان بابكو، بعد أيام من زيارته ألبا، وهنا يمكن قراءة هذه الجولات بأكثر من معنى. هناك متابعة لمنشآت اقتصادية حيوية، واطمئنان إلى جاهزيتها واستمرارية عملها، لكن هناك أيضاً معنى إنسانياً لا يقل أهمية. الذهاب إلى أبناء البحرين في مواقعهم، والنظر إليهم، والاستماع إليهم، وشكرهم.
المنشآت مهما بلغت قيمتها لا تحمي نفسها؛ من يحميها هم الرجال والنساء الذين يعملون فيها، ومن يقفون معهم وقت الخطر. وهؤلاء يستحقون اليوم أن نقول لهم نحن أيضاً «شكراً، وعاجزون عن شكركم».حفظ الله البحرين قيادة وشعباً، وأبعد عنا كل شر وكيد.