هناك لحظة يجب أن تتراجع فيها كل الاختلافات بيننا، وتسقط معها الحسابات الصغيرة، ولا يبقى أمامنا إلا عنوان واحد، عنوان اسمه البحرين.

اللحظة التي نتحدث عنها هنا تحديداً، هي لحظة استهداف بلادك، لحظة تُظهر المعادن الحقيقية للناس، المعادن التي حتى لو اختلفت داخلياً مع مكونات أخرى في المجتمع، أو كانت لها ملاحظات ورؤى داخل حراك الدولة، إلا أن وطنيتها الحقيقية تظهر حينما ترى وطنها مهدداً في أمنه وسيادته واستقراره وقيادته، حينما ترى طرفاً خارجياً، وعدواً صريحاً يحاول العبث بمقدرات وطنها ومستقبل أبنائه. هذا ما قلناه دائماً ونكرره، إذ في الوطنية لا توجد «منطقة رمادية»، يا أنت مع البلد مواطناً ودرعاً وجندياً وفياً، أو تتحول لبائع لترابه، عميل وخائن، لا يمتلك ذرة وفاء ولا ولاء ولا انتماء.

هناك فارق كبير بين الاختلاف داخل الوطن، والاختلاف على الوطن؛ إذ قد يشتكي المواطن من قضية معيشية، أو ينتقد أداءً معيناً، أو يغضب من قرار أو خدمة، وهذا حقه. لكن هذا كله شيء، والبحرين وأمنها وسيادتها شيء آخر.

وهنا الكلام للبعض، إذ لا تجعلوا اختلاف المواطن مع مسؤول أو جهة اختباراً لوطنيته، ولا تجعلوا مطالبته بتحسين حياته سببا للتشكيك في انتمائه. وفي المقابل، لا يجوز لأحد أن يتخذ من الإصلاح أو المطالب أو الاختلاف السياسي غطاء للإساءة للوطن، أو الاستقواء بالخارج، أو تبرير استهداف البحرين. نختلف داخل الدولة، لكننا لا نختلف عليها. هذه قاعدة نحتاج ترسيخها اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً في مثل هذه الظروف التي خلالها تصبح الجبهة الداخلية واحدة من أقوى الأسلحة التي تمتلكها الدولة. فالأوطان يحميها أيضاً -إلى جانب السلاح- شعب يعرف قيمة أرضه، ومجتمع يستطيع أن يختلف دون أن ينقسم، وعلاقة بين قيادة وشعب تكون أكبر من أزمة عابرة، وأقوى وأعمق من محاولات زرع الشقاق.

البحرين بالنسبة لنا أرض آبائنا وأجدادنا. هنا بيوتنا وأهلنا وذكرياتنا ومستقبل أبنائنا. هنا دولة بنيت عبر عقود من العمل والتضحيات، دولة ظلت محمية ومصانة، ومازالت قوية ثابتة بقيادة ملكنا ورمزنا الأول جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه.

لهذا حين يمس الخطر البحرين، يصبح الأمر شخصياً لكل بحريني. فالذي يستهدف أمن وطنك يستهدف أمن بيتك، والذي يريد العبث باستقرارها يعبث بمستقبل أبنائك، والساعي لإضعاف دولتك هدفه أن تعيش في وطن أضعف وأقل أمناً.

الأزمات، رغم قسوتها، تكشف الكثير. تكشف من يقدم وطنه على حساباته، ومن يضع خلافاته جانباً حين تستدعي البحرين أبناءها، وتكشف أيضاً من لا يزال ينظر إلى الأحداث الكبرى بعقلية المصالح الصغيرة.

البحرين في أوقات الشدة لا تحتاج إلى حسابات صغيرة. تحتاج إلى رجال ونساء يقولون ببساطة: «نختلف غداً، أما اليوم فبلادنا أولا». وهذا لا يعني إلغاء الاختلاف، بل يعني فهم حدوده.

يمكن أن نختلف ونتحاور وننتقد ونطالب بالإصلاح والتطوير، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن البحرين وسيادتها واستقرارها، يجب أن نجد أنفسنا جميعاً في الخندق نفسه. لا طائفة هنا، ولا منطقة، ولا عائلة، ولا رأي سياسي.

هناك سؤال واحد فقط، هل البحرين أولاً؟! إن كانت الإجابة نعم، فبعدها توجد مساحة واسعة جدا نختلف فيها كما نشاء. أما البحرين نفسها، فلا مساومة عليها.

مهما اشتدت نقاشاتنا، ومهما اختلفت آراؤنا، يجب أن يبقى هناك خط لا يتجاوزه أحد، حين تكون البحرين في المنتصف، نقف جميعا في صف البحرين. لأن وحدتنا خلف بلادنا يجعلها غير قابلة للكسر أمام أي خطر يهددها، وأمام أي طامع يكيد لها.