هل أصبحت الممرات البحرية سلاح يهدد العالم؟ نعم ولذلك تحرص السياسة الخارجية لدول الخليج العربي في الفترة الماضية والحالية بما تقتضيه الحاجة من قواعد المنطق والعقل إن من أولوياتها وحرصها العمل على توقف التصعيد والتوتر لمنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة تهدد منشآت الطاقة والملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز من حيث الخطط الاقتصادية الاستراتيجية ورؤى التنمية في المنطقة.

لذلك تبدو رؤية دول الخليج العربي للأمن الإقليمي حول احتواء العمليات والعمل على عدم التصعيد لحماية الاستقرار الذي يؤثر على الاقتصاد العالمي، وهذه المعادلة الجديد من نوعها على المستوى الخليجي والإقليمي من الناحية الأمنية، وربما قد تشكل خطوة أمنية إقليمية تقوم على خفض التصعيد وبدأ الحوار، وربما قد تعطي نوعاً من سياسة الردع والضمانات الأمنية بديلاً عن سياسة المواجهات المفتوحة.

نحن أمام مشهد جديد لم يسبق له مثيل، حيث تحول مضيق هرمز من ممر للتجارة والطاقة والتبادل التجاري إلى سلاح فتاك وأداة من الأدوات التي تستخدم للردع الجيوسياسي لإعادة تشكيل موازين القوى.

إن ما يحدث الآن في هرمز ليست أزمة مضيق، ولا أزمة إقليم، وإنما هو قضية شلت العالم بأسرة، وهذه الأزمة ربما تفتح الأبواب والأعين لدى بعض دول العالم كي تتعامل مع الممرات على إنها سلاح يستخدم كورقة ضغط، حتى لو تم فتح المضيق بصورة تلقائية أو جزئية ستستخدمه السفن بحذر شديد، علماً بأن البعض منها التابع للشركات العالمية قد اتجهت الى تغير مساراتها والبعض الآخر من السفن تمر والخوف ملازمها حيث انها تمر بدون فتح أجهزة التتبع في بعض الأجزاء من الرحلة وذلك لأسباب أمنية، على الرغم من خطورة الموقف حول إجراءات السلامة الملاحية.

كما يدعي من يسيطر على الممرات والمضيق، وعلى حد قوله بأنه لم يغلقها بالكامل وهناك مرور للسفن، ولكنه دائماً ما يزعم بالأساليب التي يهدد من خلالها وأن لديه القدرة على الإغلاق في أي وقت. كما يسعون لرفع تكلفة المرور على السفن المارة والمرتبطة بالتجارة وسلاسل الإمدادات، وهذا ما يعتبره نوعاً من أنواع الردع الاقتصادي الذي من الممكن أن يؤثر على استمرار الملاحة، ولكن أيضاً قد يؤدي إلى رفع الأسعار في السلع وبمبالغ مرتفعة الأثمان، طالما وجود هذا الاحتمال حول الاستهداف فإن الارتفاع يأتي من خلال تكاليف الشحن والتأمين.

وهناك أكثر من تفكير استراتيجي يقوم على استقلال كل مضيق كبديل مؤقت عن الآخر، وعلى سبيل المثال المندب عن هرمز.

فإن ما يدور اليوم من حلول حول شبكة مترابطة لممرات الطاقة، فتعطل مضيق هرمز يعني البحث عن البديل الآخر وهو كما أسلفنا مضيق باب المندب، فإذا تعطل باب المندب تصبح البدائل محدودة جداً، وعليه يعود العالم إلى رأس الرجاء الصالح وسيكون ارتفاع أسعار التأمين أكبر ووقت الرحلة أطول، ومن هنا ستكون التكلفة على السلع والبضائع عالية جداً.

لهذا تصبح الممرات المائية سلاحاً خطيراً لعمليات الخنق في منطقة تشكل همزة وصل بين العالم أجمع، ومن الممكن أن تؤدي إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك، ومثل هذه الأساليب قد تخلق سابقة دولية تؤثر على التوازن في الاقتصاد العالمي وتجبر القوى الاقتصادية على خلق البدائل. وقد بينت الأزمة الأخيرة أن السيطرة على الممرات البحرية تحولت إلى أداة ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن آثار القوة العسكرية التقليدية.

وإننا لنتحدث عن بعض المضائق والممرات ومنها مضيق ملقا بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي وهو الشريان الرئيسي لواردات الطاقة الآسيوية، وأيضاً قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالأبيض المتوسط، وأما عن قناة بنما المؤثرة في التجارة بين آسيا والساحل الشرقي للأميركتين، وكذلك مضيق البوسفور والدردنيل المؤثر في صادرات البحر الأسود.

لهذا فإن المضائق البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز لم تعد تتحكم في تدفقات الطاقة فحسب، بل أصبحت تتحكم في استقرار أسعار السلع والأمن الغذائي الذي يؤثر على الاستقرار السياسي لكثير من الدول، بمعنى أن الأزمة قد تبدأ في مضيق أو ممر بحري، وقد تنتهي بأزمات وتوتر سياسي.

لعل هذا هو ما يفسر حرص قادة دول الخليج العربي على تجنب حرب جديدة، لا تتوقف تداعياتها على الأمن القومي الخليجي واستقرار المنطقة فحسب، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من مياه الخليج.

* محلل السياسي وخبير الاستراتيجي