يحتفل المجلس الأعلى للمرأة بيوبيله الفضي مستعيداً خمسة وعشرين عاماً من العمل المؤسسي الذي رسخ حضور المرأة البحرينية في مسيرة التنمية الوطنية، وتكتسب المناسبة معناها من الدور الذي أداه المجلس منذ تأسيسه في الثاني والعشرين من أغسطس عام 2001 برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة عاهل البلاد المعظم حفظها الله، حيث أصبح تقدم المرأة جزءاً أصيلاً من المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه.

ويحمل اليوبيل الفضي تاريخاً يمتد إلى ما قبل تأسيس المجلس بعقود، فقد وُلد حراك المرأة البحرينية من داخل المجتمع ونما مع تطوره، وجاء المجلس ليجمع حصيلة تلك المسيرة في إطار وطني منظم، وليمنح الجهود المتراكمة مساراً مؤسسياً يصل تطلعات المرأة بخطط الدولة ويجعل أثرها حاضراً في الحاضر ومتجهاً نحو المستقبل.

فلقد بدأت ملامح هذا الحراك في وقت مبكر، ففي عام 1928 افتُتحت أول مدرسة نظامية للبنات لتمنح المرأة البحرينية موقعاً متقدماً في مسيرة التعليم الخليجي، ومن مقاعد الدراسة اتجهت إلى التمريض عام 1941، ثم أخذ حضورها يتسع داخل المجتمع حتى تأسست الجمعيات النسائية عام 1955، وسافرت أول بعثة من الطالبات إلى كلية بيروت للبنات في العام التالي، ثم دخلت المرأة القطاع المصرفي عام 1958 وفتحت أمامها أبواب مرحلة جديدة من العمل.

وتكشف هذه البدايات طبيعة المجتمع البحريني وانفتاحه المبكر على تعليم المرأة ومشاركتها، فقد أنجبت المدرسة جيلاً وجد طريقه إلى المهن الحديثة، ومنحت الدراسة في الخارج المرأة خبرة أوسع، ثم قدم العمل الأهلي مساحة لاكتشاف قضايا المجتمع والتعامل معها، ومع مطلع السبعينيات دخلت المرأة المجال العسكري، وفي عام 1976 حضرت في الاتحادات الرياضية، وبعد ذلك امتدت تجربتها إلى ميادين أخرى شكلت ملامح حضورها الوطني.

أما المشاركة السياسية، فتعود جذورها إلى مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، حين أتاحت الأنظمة البلدية حق التصويت للمرأة التي تملك عقاراً مسجلاً باسمها، ثم شاركت المرأة في انتخابات الهيئة البلدية المركزية عام 1951، ومع انطلاق المشروع الإصلاحي شاركت في التصويت على ميثاق العمل الوطني عام 2001، وخاضت انتخابات 2002 ناخبة ومرشحة، ثم دخلت النيابة العامة عام 2003، ووصلت إلى منصة القضاء عام 2006، وتوجت مسيرتها السياسية بانتخاب امرأة لرئاسة مجلس النواب عام 2018.

ويكشف هذا التسلسل أن تأسيس المجلس الأعلى للمرأة جاء في لحظة تاريخية نضجت فيها التجربة البحرينية، وأصبحت مؤهلة للانتقال إلى العمل المؤسسي، فبدأ المجلس برنامج التمكين السياسي منذ انتخابات عام 2002، وتطورت جهوده مع الخطط الوطنية المتعاقبة، ثم أصبحت احتياجات المرأة حاضرة في إعداد السياسات وقراءة أثرها، وهو تحول منح مسيرة المرأة قدرة أكبر على الاستمرار والتجدد.

وتدخل المسيرة اليوم مرحلة تتجه نحو الريادة في مجالات المستقبل، حيث تفتح التكنولوجيا والعلوم الحديثة أمام المرأة البحرينية أفقاً جديداً، ويتسع دور المجلس في إعدادها للفرص القادمة، وفي الوقت ذاته تبقى الأسرة المجال الأول الذي يظهر فيه أثر المرأة، فهي الأم التي تربي الأجيال، وتغرس فيهم القيم وتصنع داخل البيت أول ملامح الشخصية البحرينية.

ويستمد حضور المرأة في العمل قوته من مكانتها في الأسرة، ويتساوى عطاؤها داخل البيت مع إسهامها في مؤسسات الوطن، فالمجتمع يبدأ من أم واعية تمنح أبناءها أساسهم الأول، ثم يواصل البناء بعلم المرأة وخبرتها، ومن هنا تتجلى رسالة المجلس الأعلى للمرأة بعد خمسة وعشرين عاماً، وهي رعاية امرأة قادرة على أداء رسالتها الأسرية والمشاركة في نهضة بلادها، فالمرأة أساس المجتمع وبصلاح أثرها يشتد بنيانه ويتقدم الوطن.