الأزمات لا تجامل أحداً؛ هي تكشف كل شيء. تكشف قوة المنظومة، وكفاءة القرار، وسرعة التحرك، والأهم تكشف جودة الأشخاص الذين وضعت في أيديهم المسؤولية.
لذلك أحد أهم الدروس التي نخرج بها من كل ما مررنا به من تحولات وأزمات متلاحقة، هو أن اختيار الأشخاص للمواقع المهمة أصبح جزءاً أساسياً من أمن الدولة واستقرارها وقدرتها على مواجهة المستقبل.
المسؤول غير المناسب في الزمن العادي قد يعطل معاملة، أو يؤخر مشروعاً، لكن المسؤول غير المناسب في زمن الأزمة قد يكلف الدولة الكثير.
نحن اليوم في زمن مختلف تماماً. سرعة الأحداث مخيفة، والتحديات متشابكة، والقرار الذي كان أمامك أيام لاتخاذه قد لا تملك اليوم إلا ساعات، وربما دقائق. لذلك لم يعد كافيا أن يكون المسؤول صاحب خبرة طويلة، أو اسماً معروفاً، أو شخصاً قضى سنوات عديدة في الجهاز الحكومي؛ لأن المعيار الأساسي الذي يحدد قوته وجودته، هو ماذا سيفعل هذا المسؤول عندما تهتز الأرض تحته؟!
حينما نضع مسؤولاً في موقع هام، هناك أسئلة معيارية يجب أن نطرحها على أنفسنا قبل كل شيء. هل هذا المسؤول قادر على اتخاذ القرار؟! هل يتحمل مسؤوليته؟! هل يبادر أم ينتظر التعليمات؟! هل يفكر خارج القوالب التقليدية؟! هل يضع مصلحة البحرين فوق حساباته الشخصية وموقعه وكرسيه؟! وهل يملك الشجاعة ليقول لصانع القرار الحقيقة حتى لو كانت مزعجة؟!هذه النوعية هي التي تحتاجها الدول اليوم. وهنا علينا أن نفرق بين أمرين كثيراً ما يتم الخلط بينهما، وأعني الولاء والكفاءة.
الولاء للبحرين وقيادتها ومصالحها الوطنية أساس لا يمكن المساومة عليه، لكن الولاء وحده لا يصنع مسؤولاً ناجحاً. مثلما أن الكفاءة من دون انتماء حقيقي للدولة ومصالحها قد تتحول في لحظة ما إلى مشكلة.هنا نريد الاثنين معاً. نريد الوطني الكفؤ. نريد من يحب البحرين، لكنه أيضاً يعرف كيف يخدمها. من يحافظ على المال العام وكأنه ماله، ويعتبر المنصب مسؤولية لا امتيازاً، ولا يرى الكرسي مكافأة على سنوات الخدمة، بل اختباراً يومياً لقدراته وضميره.
تطوير مفهوم صناعة القيادات في الدولة أمر هام جداً، عنده يجب التوقف كثيراً، فالبحرين تمتلك كفاءات عديدة، لدينا أجيال جديدة متعلمة، وشباب حصلوا على أعلى المؤهلات، وكفاءات بحرينية أثبتت نفسها داخل المملكة وخارجها، وموظفون وقيادات في الصفوف الثانية والثالثة يمتلكون قدرات هائلة، وبالتالي تكون المهمة على عاتق من يكتشفهم.
في كرة القدم، لا تنتظر الأندية الكبرى أن يطرق اللاعب الموهوب بابها. ترسل الكشافين للبحث عنه، تراقبه، تختبره، تطوره ثم تمنحه الفرصة. وأيضاً الدولة تحتاج إلى ”كشافين للكفاءات“ داخل منظومة العمل الوطني. نحتاج إلى آلية تبحث عن الإنسان القادر، عن صاحب الإنجاز، لا صاحب الحضور. عن الذي يعمل، لا الذي يجيد الحديث عن عمله. وعن ذلك الموظف الموجود ربما في مكتب صغير اليوم، لكنه يمتلك من الفكر والشخصية والقدرة ما يؤهله لقيادة قطاع كامل غداً.
هناك قاعدة بسيطة جداً بشأن الإدارة في الظروف الصعبة، إذ لا تنتظر الأزمة حتى تكتشف من يصلح ومن لا يصلح. اختبر أدواتك قبل الأزمة. اختبر القيادات، وراجع الأداء، وقس النتائج، ولا تجعل بقاء أي شخص في موقعه مرتبطاً بالسنوات التي قضاها فيه، بل بالقيمة التي يضيفها إليه. لأن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس أن يكون لديها مسؤول سيئ، بل أن تعرف أنه غير مناسب، وتتركه في مكانه حتى تأتي الأزمة لتدفع الدولة ثمن ذلك.