في اعتقادي، من الصعب أن تجد شعباً يمتلك قدرة الأشقاء المصريين على تحويل متاعب الحياة اليومية إلى مادة للضحك مثلما يفعلون، فهناك عبقرية مصرية خاصة في صناعة «الإفيهات» والقفشات من قلب المواقف الصعبة، حتى إن المشكلة نفسها قد تتحول، بعد دقائق من وقوعها، إلى نكتة يتداولها الملايين.
هذه القناعة ترسخت لدي بشكل أكبر وأنا أتابع مجموعة «شكاوى أهالي قاع الهامور» على منصة فيسبوك، والتي وصل عدد أعضائها، حتى كتابة هذه المقالة، إلى المليونين، وبإجمالي منشورات تجاوزت الـ 10 آلاف منشور، رغم أنه لم يمضِ على إنشائها سوى أيام قليلة.الفكرة انطلقت من أحداث المسلسل الكرتوني الشهير «سبونج بوب»، إذ تتضمن المنشورات على المجموعة، شكاوى ومواقف طريفة تدمج بين مشاكل الحياة اليومية في الواقع وعالم «سبونج بوب» الخيالي، لتتحول المدينة الخيالية في مسلسل الرسوم المتحركة إلى واقع افتراضي.
ومنذ الساعات الأولى لإطلاق المجموعة؛ ظهرت منشورات تتناول شكاوى وأخرى تقدم إعلانات افتراضية لمطاعم وعيادات ومدارس، إلى جانب الترويج لحفلات وفعاليات وإصدارات غنائية متخيلة تضمنت مشاهير، كما شهدت المجموعة تفاعلاً كبيراً من بعض الفنانين والمشاهير، الذين نشروا تصميمات تدمج بين صور لهم وخلفية «قاع الهامور»، مع تعليقات طريفة.
الجميل في هذه المجموعة أنها وضعت لائحة تنظيمية لأعضائها، تتضمن نطاق الاختصاص، وآلية تقديم الشكاوى، وآداب الحوار، والسرية، وقرارات الإدارة، والعقوبات، مع تحذير لطيف يخلي مسؤولية الإدارة عن «أي صدمة نفسية تنتج عن قراءة كمية الشكاوى المتراكمة في قاع الهامور».
قد تبدو «شكاوى أهالي قاع الهامور» مجرد موجة عابرة من موجات مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تختفي بعد أيام كما اختفت قبلها عشرات «الترندات»، لكن اللافت فيها ليس «سبونج بوب» ولا المدينة الخيالية ولا حتى ملايين المتابعين، وإنما قدرة الناس على أخذ تفاصيل حياتهم الحقيقية معهم إلى هذا العالم الافتراضي؛ الأسعار، المدارس، المطاعم، المواصلات، العمل، الزواج، الجيران، وحتى البيروقراطية والشكاوى.
وكأن المصريين لم يكتفوا بمشاكلهم فوق الأرض، فقرروا نقلها إلى قاع البحر أيضاً، ولكن هذه المرة كي يضحكوا عليهاوربما هنا تكمن الحكاية كلها؛ فالسخرية عند المصريين ليست دائماً هروباً من المشكلة، بقدر ما هي طريقة خاصة للتعايش معها، عندما تصبح الحياة ثقيلة، يأتي «الإفيه» ليجعلها أخف قليلاً.
ولذلك، فإن أجمل ما في «قاع الهامور» ليس أننا نضحك على عالم «سبونج بوب» الخيالي، وإنما تلك القدرة العجيبة على تحويل مشاكل الحياة الحقيقية إلى مساحة للضحك.. حتى لو اضطر المصريون هذه المرة إلى النزول بها تحت الماء.