ما إن يرن جرس الفسحة اليدوي، ذلك الجرس الذي كانت تحرّكه يدٌ فتوقظ بصوته المدرسة كلها، حتى كانت الملامح تتغير فجأة. تمتلئ الممرات بخطواتٍ صغيرة تركض بلهفة، وتتعالى الضحكات، وتتحول الساحة إلى لوحةٍ نابضة بالحياة. لم يكن الأطفال يتجهون إلى المقصف؛ لأنهم جائعون فحسب، بل لأنهم كانوا على موعدٍ مع أجمل دقائق اليوم.
كان المقصف صغيراً في حجمه، لكنه واسعٌ في قلوبنا. تقف أمام نافذته طوابير طويلة، لا يضيق بها أحد، لأن الانتظار نفسه كان جزءاً من المتعة. وكل طفلٍ يخبئ في يده بعض النقود، يردد في سره ما سيشتريه قبل أن يصل دوره، ثم يغير رأيه عندما تقع عيناه على شيءٍ آخر.
وكم كانت تلك الرفوف تبدو لنا كأنها كنوز الدنيا؛ أكياس الحلوى الملونة، والبسكويت، والعصائر، والسندويشات البسيطة. وكل ما كان يُباع هناك يحمل مذاقاً لا يشبه أي مذاقٍ آخر، ربما لأن أجمل النكهات هي تلك التي تمتزج ببراءة الطفولة.
وللمقصف في ذاكرتنا حكاية أخرى جميلة؛ فقد كنا في بداية العام الدراسي نشارك فيه بمبلغٍ بسيط من المال، وكأن لكل واحدةٍ منا سهماً صغيراً في ذلك المكان الذي نشتري منه كل يوم.
ثم تمضي السنة، ونعود في نهايتها لنتسلم رأس مالنا ومعه ربحٌ صغير قد لا يعني الكثير بلغة الأرقام، لكنه كان يعني لنا الكثير بلغة الحياة.
لم نكن ندرك يومها أننا نتلقى درساً مبكراً في التجارة البسيطة؛ أن المال يمكن أن يدخل في مشروع، وأن البيع والشراء يصنعان ربحاً، وأن القليل إذا اجتمع وحُسن تدبيره عاد على أصحابه بشيءٍ أكثر.
ربما كانت أرباحنا متواضعة، لكن الفكرة التي زرعها المقصف في عقولنا كانت أكبر من تلك النقود الصغيرة.
وكان أجمل ما في المقصف أنه لم يكن يعلمنا الشراء فقط، بل كان يعلمنا المشاركة. كم من قطعة حلوى انقسمت بين صديقين، وكم من عصيرٍ دار بين أكثر من يد، وكم من طفلٍ نسي نقوده، فلم يشعر بالخجل، لأن زميله سبقه قائلاً: «خذ.. غداً تعطيني». كانت تلك الجملة الصغيرة درساً في الكرم، لم تكتبه الكتب المدرسية.
ولم يكن المقصف يخلو من المواقف الطريفة؛ طفلٌ يعود مسرعاً لأنه نسي الباقي، وآخر يقف محتاراً بين نوعين من الحلوى، وثالثٌ يشتري شيئاً لا يحبه، فقط لأن أصدقاءه اشتروه. كانت قراراتنا الصغيرة يومها تبدو وكأنها أهم قرارات الحياة.
ثم ينتهي كل شيءٍ بسرعة. تمتد يدٌ من جديد إلى ذلك الجرس، فيرن معلناً انتهاء الفسحة، فيبتلع كل واحدٍ آخر لقمةٍ على عجل، ويخفي ما تبقى في جيبه أو حقيبته، ويعود إلى الصف، لكن شيئاً من بهجة الفسحة يبقى يرافقه حتى نهاية الدوام.
واليوم، أصبحت المقاصف أكثر تنظيماً، وأصبح الاهتمام بالغذاء الصحي أكبر، وهو تطورٌ جميل يستحق التقدير، لأن صحة أبنائنا أمانة، ولأن المدارس اليوم تبذل جهوداً كبيرة في توفير خياراتٍ أفضل وأكثر توازناً.
ومع ذلك، يبقى في الذاكرة مقصفٌ صغير، لا لأنه كان يقدم أشهى الأطعمة، بل لأنه كان يقدم لنا شيئًا لا يُباع.
كان يمنحنا أول دروس الاستقلال حين نختار بأنفسنا، وأول دروس الاقتصاد حين نحسب ما بقي في أيدينا، وأول دروس المشاركة حين نقسم ما نملك مع من نحب، بل وحتى أول درسٍ صغير في الاستثمار والتجارة، حين وضعنا في بدايته نقودًا قليلة، وانتظرنا في نهايته ربحاً قليلاً، وفرحنا به كثيراً.
وحين نقف اليوم على ضفاف الذاكرة، ندرك أن المقصف لم يكن محطةً لشراء الطعام، بل محطةً لصناعة الذكريات.
فمن نافذته الصغيرة خرجت صداقاتٌ كبيرة، ودروسٌ لم تكن في الكتب، وضحكاتٌ لا تزال تتردد في أعماقنا، ووجوهٌ ما زالت تلوح لنا كلما سمعنا جرس مدرسة.
ولعلنا لم نكن نشتري من ذلك المقصف قطعة حلوى أو عصيرًا فحسب، بل كنا نشتري، دون أن ندري، لحظاتٍ من العمر.. ظل طعمها باقياً في القلب، وبقي رنين ذلك الجرس اليدوي يوقظها كلما مررنا.. على ضفاف الذاكرة.