في ذكرى مولد أشرف الخلق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نستعيد رسالة كاملة قامت على بناء الإنسان، وصون كرامته، وإعلاء الأخلاق، ونشر الرحمة، وحماية المجتمعات من الفتنة والفرقة.
من هنا تحديداً أقرأ كلمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، في ذكرى المولد النبوي الشريف. رسالة في معنى الدين نفسه.
وفي معنى أن تكون مسلماً مقتدياً بنبيك. وفي المسؤولية التي تقع علينا جميعاً لحماية هذا الدين العظيم من التشويه والاستغلال.
حين يؤكد جلالة الملك المعظم أن الاحتفاء بالمولد النبوي يكتمل بأن نجعل من قيم السيرة النبوية نبراساً لسلوكنا، فهو يضع أمامنا جوهر القضية كلها. فالدين ليس شعارات ومظاهر، وليس برفع الصوت بالتحدث بأمثلة من القرآن والسنة وأخلاق الرسول، بينما الفعل يناقض ذلك تماماً.
رسولنا صلوات الله عليه، هو أعظم نموذج في التعامل الإنساني والأخلاقي، وفي الرحمة والعدل والوفاء وحفظ الحقوق واحترام الإنسان.
وعليه من يريد الانتساب الحقيقي إلى رسالته عليه أن يسأل نفسه بكل صراحة: أين أنا من أخلاق محمد؟! أين أنا من رحمته؟! أين أنا من عدله؟! وأين أنا من حرصه على جمع الناس لا تفريقهم؟!
هذه التساؤلات وإجاباتها الصادقة لها أهمية بالغة اليوم. أهميتها تكمن بأننا عشنا وما زلنا نعيش، محاولات خطيرة لاستغلال الدين والمذاهب وتحويلها من مساحة للإيمان والتقوى والأخلاق إلى أدوات للمشاريع السياسية والصراعات والأجندات.
لذلك، فإن كلمات جلالة الملك المعظم شديدة الوضوح، ورسائلها مباشرة وصريحة، خاصة حينما يربط هدي السيرة النبوية بصون الأوطان والمجتمعات من أسباب الفتنة والفرقة، وحين يؤكد أن الكلمة أمانة تحفظ أمن الناس ووحدتهم.
هذه تحديداً قضية أمن مجتمعات وأوطان. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يأتي من يسلب إرادته باسم الدين، ويختطف عقله باسم المذهب، ويجعله تابعاً لمشروع لا علاقة له بدينه الحقيقي ولا بمصلحة وطنه.
يبدأ الأمر بشعار ديني.
ثم يتحول إلى ولاء سياسي.
ثم يصبح الإنسان أداة تنفذ ما يطلب منها، حتى لو كان الثمن الإضرار بمجتمعه، أو تمزيق وطنه، أو زرع الكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
هذا هو الدين؟! طبعاً لا، فالدين الذي جاء به نبينا الكريم بأمر من المولى القدير، دين بريء ومنزه عن كل ذلك. دين لم يأت ليحوّل البشر إلى أتباع بلا إرادة، ولم يأت ليصنع العداوات داخل المجتمعات، ولم يأت ليمنح أحداً حق المتاجرة بعقائد الناس ومذاهبهم لتحقيق أهداف سياسية أو توسعية. بل جاء ليحرر الإنسان، ويرفع من شأنه، ويهذب أخلاقه، ويبني مجتمعاً متراحماً متماسكاً.
رسالة ملكنا الغالي سامية وراقية، هو يدعونا لحماية ما جاء به رسول الله. لحماية الدين من أن يختطفه المتاجرون به. وحماية مذاهبنا من أن تتحول إلى أدوات بيد أصحاب الأجندات.
وحماية أبنائنا من أن يسلب أحد إرادتهم وعقولهم تحت عناوين دينية مقدسة بينما يقودهم في الحقيقة إلى الإضرار بأوطانهم ومجتمعاتهم.
هذا يجب أن يكون ديدننا جميعاً. أن نصون ديننا كما نصون أوطاننا.
وأن نرفض أن يتحدث أحد باسم الإسلام ليبرر الفتنة والكراهية والعدوان. وأن ندرك أن أفضل وفاء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حماية رسالته والاقتداء بأخلاقه.
الذين يحبون محمدا الصادق الأمين، والذي أرسل رحمة للعالمين، الذين يحبونه بحق، هم الذين لا يفرقون الناس باسمه. ولا يزرعون الكراهية باسمه. ولا يستعبدون عقول البشر باسمه.
بل ينشرون الرحمة التي جاء بها، ويحفظون المجتمعات، ويصونون الأوطان، ويتمسكون بالأخلاق التي جعلت من محمد -صلى الله عليه وسلم- أشرف الخلق وأعظم قدوة للإنسانية.
هذه في رأيي أسمى الرسائل التي حملتها كلمة ملكنا في هذه الذكرى العطرة. واللهم صل على محمد وآله وصحبه وكل من اتبع هديه ونهجه إلى يوم الدين.